طبقة. طبقيّة. طباق

في الطبقة الأرضية من مبنى الخانكة، تعيش سيّدات وحيدات. تقليدٌ تحافظ عليه طرابلس منذ عهد العثمانيين. الطبقة التي تُعَدّ من المواقع الأثرية تضمّ اثنتَيْ عشرة غرفة متروكة بإهمال لمواسير الصرف الصحي ومياه الأمطار والعفن. تعيش فيها نسوةٌ أرامل ومطلَّقات وجدنَ أنفسهنّ بلا مُعيل. يَنَمْنَ ليالي بلا أكل لولا إعانات توصلها لهنّ أيدي المحسنّين، ويتركنَ عيونهنّ الدامعة مفتوحةً بانتظار الموت.

في هذه الطبقة المتواجدة في زقاق العوينات المتفرّع من منطقة باب الرمل المحسوبة على ابنها رجل الأعمال ورئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، تعيش طبقة اجتماعية كاملة تحت خط الفقر. لا بل تموت تحته. تُمعَس وهي تئنّ. في المنطقة واحدة من أكبر مقابر المدينة. فيها طبقة مرئيّة تزيّنها أوراق الآس. طبقة أخرى لموتى، بعضهم مات من الفقر والعوز، وبعضهم قُتل برصاص طائش، وبعضهم مات من الأسى. وتحيط بهذه المقبرة، أحياء تمتدّ إلى طلعة أبو سمرا، وجبل النار وحارة «طق طق»، وسوق العطّارين والجامع المعلّق وزقاق الحمص، وعقبتي الكوت والأحدب، تموت فيها عائلات وهي حيّة. تتنفّس.

طبقة اجتماعية تمشي ظلال أفرادها بين مدينتَيْن. فهناك مدينة للفقراء وأخرى للأغنياء. والخط بينهما غير مرئي. أشباح هذه الطبقة تتريّض أحياناً في المدينة الموازية، ما بعد البولفار الذي سُمِّي بولفار رياض الصلح. هناك ترى بأمّ العين الطبقة التي تمعسها الطبقيّة.


في طرابلس طبقيّة كامنة. مضمرة. الأغنياء يعتاشون على دم الفقراء. يبنون مصانعهم ومكاتبهم ومؤسّساتهم على ظهورهم. يعطونهم فتاتاً. يطردونهم بلا حسيب أو رقيب. لا يسجّلونهم في الضمان الاجتماعي. يتركونهم نهشاً للقَدَر ولجمعيّات التسوّل التابعة لحيتان المال أو للقتلة الجوّالين، بائعي الأحلام بالجنّة أو في الأرض. الطبقيّة موروثةٌ في المدينة. تكبر مثل أفخاخ. تمتدّ مسوخُها في الشوارع والأحياء والمدارس والمستشفيات والمقاهي والمشاريع السكنية.

في الضمّ والفرز، طبقات. طبقة غنية تتوارث غناها، أو ما بقي منه. طبقة اغتنت، بعد الحرب، أو بعد الوصاية السورية. وطبقة مهملة خلف الخط الخلفي للبولفار الذي يزنّر المدينة القديمة، من شارع عز الدين وشارع المكتبات وساحة الكورة وصولاً إلى قبّة النصر وسكة الشمال. هناك تعيش طبقة الأشباح التي في أيام تريُّضها النادرة، تمشي متفرِّجةً على مبنى السيتي كومبلكس أو تشتري لأولادها كعكة بجبنة يتقاسمون لُقَمها فوق رصيف بحر الميناء.

في مشية أبناء هذه الطبقة المسحوقة، قد يشاهدون أبنيةً زجاجيةً مرتفعة وشققاً تبدو واسعة، وقد يرون بأمّ العين أولاد «الأزوات»، عائدين من مدارسهم بالباصات المكيّفة أو بسيارات مع سائقين خصوصيّين. هناك في محاجر عيونهم دمعٌ مالح، لا ينزل. يختنق في حلقهم. حين نزلوا إلى الساحات، نزلوا كي يتركوا دمعهم يسقط من دون أن ينتبه له أحد وليتخلّوا عن أسمال الذلّ والحرمان والحزن. نزلوا لأنّهم لا يريدون لغضبهم أن يدينهم أمام أولاد الطبقة الأخرى، الذين يرونهم أقلّ منهم أو «يا حرام فقرا معترين».


قبل ثورة 17 تشرين، ثمّة طبقةٌ كانت تحترق وطبقيّةٌ تبني مشاريعها على رمادها.

بعد ثورة 17 تشرين، ثمّة طبقةٌ نزلت دموعها، ولا تزال غاضبة.

ثمة طباق غير بديع، عكس ما تقوله اللغة العربية، في طرابلس. طباق يحتمل الأسى، بكلّ معانيه، الموتَ بكلّ احتمالاته. الغضب بكلّ تحولاته، والثورة بكل معناها.

ثمّة طبقة غاضبة، وطبقيّة مستشرية، وثورة لن تموت. وسنتذكّر.

طناجرنا وشيخهم العرعور

دقّوا الطناجر، طرابلس مش للسلاح يُقحمون العرعور في الثورة اللبنانية وجهاً سلفيّاً مُضمَراً تُقرَع ضد نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي وأغلق فيها مستوصفاته مستمرّون لإسقاط رئيس الجمهورية عريناً لزعامات هذا خطاب الثورة المضادة بوق سفارة طهران

طرابلس أو الوطنية اللبنانية الجديدة

الزخم الرمزيّ للثورة الجغرافيا البشرية للساحة نفسها تشبه نفسها عمرانيّا وثقافيّا المكافئ السياسي لفكرة الانتماء العربي لوم المركز البيروتي ستّة من نوّابها، بينهما مليارديريّان، وزراء مركزيّة دور فقرائها