طلّاب

العالم تغيّر.
كورونا غيَّره.
عندما أقول «العالم»، لا تظنوا أني أقصد «العالم» فعلًا، بل أقصد لبنان.
ولا أقصد أنّ لبنان هو العالم، أو أنّ بلدان العالم لم تتغيّر.
فلبنان ليس العالم، وبلدان العالم تغيّرت.
كورونا غيَّرت كل العوالم، حتى الموازية منها.

لكنّ مصائب لبنان لا تتيح لي ترف التفكير بمصائب أخرى، ولا تترك أي حيِّز أو طاقة أو اهتمام أو قدرة على التعاطف أو الاهتمام أو الاستماع لأي مصائب خارج خريطته. للبشر على هذا الكوكب مقدرة تحمُّل محدودة. وما زلت على هذا الكوكب. وما زلت من البشر.


طلاب لبنان في العام الدراسي المنصرم والحالي لم يتعلّموا.

هنا أيضًا عندما أقول «طلاب لبنان»، لا تظنّوا أنّي أقصد كل طلاب لبنان.

أتحدث فقط عمّن ليس لديهم من يتحدث عنهم.

أتحدث فقط عن طلاب المدارس الذين ليس لديهم إنترنت ولا لابتوبات ولا تابليت، وربما ليس لديهم هواتف ذكية وواتس آب، وفي أحيان كثيرة ليس لديهم بديل عن الكهرباء المقطوعة. أتحدث عن الذين ليس لديهم غرف كافية في منازلهم ليتوزع الأخوة الطلاب عليها لمتابعة صفوفهم المتزامنة. أتحدث عن الذين ليس لديهم أو لدى ذويهم إمكانية أو خبرة في التعامل مع أدوات التعلُّم الجديدة. أتحدّث عن الطلاب الذين ليس لديهم مدرّسون متدرّبون على التعليم عن بُعد وبواسطة أجهزة لا تتضمّن لوحاً وطبشوراً.

أمّا الطلاب المحظوظون الذين يدرسون في مدارس تعتمد نظامًا تعليميًّا يتضمّن وجود كل أدوات التعلّم والتدريس online وغرفاً كافية في منازلهم، فلهؤلاء أهل يهتمون بهم. وبالتالي هم ليسوا موضوعي. ومصائبهم اللطيفة خارج جدول المصائب المعنية بها.

الطلاب الذين تغيّر عالمهم، لم يتعلّموا مناهج العام الدراسي الماضي ولا الحالي. لكنهم تعلموا أموراً أخرى لا يُفترض بمن في أعمارهم أن يتعلموها، على الأقل ليس وهم طلاب.

تعلموا أن «الطلاب» فئات. وأن الدولة غير معنية بكل الفئات. وأنهم خارج حسابات هذه الدولة، التي درسوا عنها وكانوا بانتظار لقائها يومًا.
وتعلموا أنهم ليسوا جزءًا من خطة النظام التعليمي. وأنهم ليسوا من الفئة المحظوظة. وأن في مكان كلبنان يجب أن يكون الحظ حليف الطلاب.
وتعلموا أن لا أحد يسمع أصوات ذويهم. وأن لذويهم أصواتاً بحَّت لكثرة المطالب التي نادوا بشأنها. وأن العلم في الصين أقرب من العلم في المنزل، وأن لبنان ليس وطناً، وأنّه مكان ضيق لا يتسع لهم، وأنّه ليس العالم، وأن عليهم أن يخرجوا إلى العالم ولو كلفهم الأمر حفر خندق طويل، وأنّ عليهم أن يتعلموا الحفر فيما يتعلم طلاب الفئات الأخرى الفيزياء. ربّما سيأخذهم هذا الحفر إلى عالم موازٍ، بعيدًا عن ثقب لبنان الأسود. هذه فيزياء أيضًا.


العالم لم يتغيّر. بل استعاد حقيقته. أعلنها.
كورونا لم يغيِّره. كورونا ساهم برفع الغطاء عن وضاعته وكشف مستور قذارته.

العالم، هذا العالم أًصبح أكثر وضوحًا. حذف الجمل الإنشائية والجمالية من نصوصه. كشَّر عن أنيابه. أزال طبقة التحضُّر المزيف عن وجهه. فتح باب قاعِه على مصراعيه. وقذف السيستم المتهالك بالطلاب نحو القاع… قاعه، وابتلعهم.

ومن هذا القاع، سيبدأ الحفر.

مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


تمارين في الحفاظ على العلاقات

ثم أتى اقتراحٌ، يقول بأن نؤجّل كل العلاقات إلى ما بعد الانهيار. هاك، جدّياً، هكذا أفضل لكلَينا. غير أنّ صديقاً لي أخبرني أنّنا بحاجة كحدٍّ أدنى لسبع سنوات بعد الانهيار كَي نتعافى، كَي تنتظم دورة الاقتصاد - هذا إن تصرَّف الحكّام بنيّةٍ حسنة. حسناً، فلننجز حساباتنا: حينها، سنكون قد أصبحنا في مطلع الثلاثين.

Powerbank

نبحث كل يوم عن حل سريع وفعّال وبأي سعر. وجدنا حلاً للكهرباء بالموّلد الكهربائي الخاص حتى تعب المولّد أيضاً فاشترينا الـPowerbank أو بنك الطاقة الذي يسمح لنا بشحن هواتفنا الجوّالة لعله يبقى لدينا بعض من الإرسال لنرسل وصايانا لأحبائنا في الخارج ونقول لهم