عباءة نجيب ميقاتي

رجُلان خرجا من عباءة نجيب ميقاتي. طويلا الجسم، ولهما تسريحة الشعر نفسها. ويقال عنهما الكلام ذاته. دمثان وآدميان. أي أنهما تحديداً ما يحبّه نجيب ميقاتي في معاونيه المقرّبين ودوائره الصغيرة. الرجال الدمثون، أصحاب السير الأكاديمية. غير الباهرة. والإداريون غير الاعتراضيّين. لكنّ ما يجمعهم جميعاً أنّهم بلا ظلّ. أجساد تمرّ هلاميّةً. لا حجم لها في السياسة. وتكاد لفرط هلاميّتها أن تنسى بلا ندم.

فمَن منّا يمكنه أن يتذكّر حسان دياب كرجل دولة؟

قد نتذكّره كنكتة، أو أقلّ بقليل.

أو كيف يمكن لأحدنا أن يحفظ بالأصل صورة ما لمصطفى أديب؟

قد نتذكّره مادحاً نبيه بري لا أكثر.

رجُلان ليس لهما أيّ تاريخ سياسي. أو بالأحرى، يرتبط تاريخهما السياسي الوحيد بشخصية وإدارة نجيب ميقاتي وعلاقاته الرضائية التي ورثها من برجوازيته الطرابلسية التي تُعلي من شأن العلاقات والقرابات والمصاهرات في خياراتها. جاء بهما من العدم إلى السياسة. فحسان دياب هو صهر طرابلس. وتحديداً صهر رضوان مولوي، مؤسّس الوكالة الوطنية للإعلام، والمقرّب من سليم الحص. وبطبيعة العلاقات والقرابة الطرابلسية، هو مقرّب من نجيب ميقاتي. أما مصطفى أديب عبد الواحد، فهو منذ زمن بعيد، قريب من الميقاتية السياسية ومن دوائرها. منذ تشكيل جمعية العزم والسعادة والمكتب السياسي لميقاتي في شارع المعرض، حين كان أستاذاً محاضراً في الجامعة اللبنانية. عُرِف أديب بأدواره الصغيرة. ثم حين استغنى ميقاتي عن مستشاره خضر طالب، جيء بأديب مستشاراً له. وبقي الأقرب منه في السراي وخارجها.

يختار نجيب ميقاتي رجالاً يمكنهم العمل في فريق أبحاث. ويمكنهم إدارة مكتب مع موظّفين، لكنهم بالطبع ليسوا مؤهّلين لإدارة بلد وأزمات أو يمكنهم الاعتراض على زمرة القتلة والسارقين. لأنهم آتون بالأصل من داخل عباءة محكمة السيطرة. وهم خاضعون لها ولميكانيكيّتها. فهل يمكن مصطفى أديب أن يعترض في حكومته على أقوال باسيل (الذي جاء به سفيراً) أو قرارات حسن نصر الله؟ وهل هو في الأصل مؤهّل سياسياً لأن يحكي ويعارض ويواجه في حكومة ستكون مهمّتها بالتأكيد طمس الجريمة المروّعة والعمل على تمرير تسويات للطبقة السياسية وتجميلها باسم التكنوقراط والوسطية والهلامية المنتظرة؟

نجيب ميقاتي يعرف لعبته جيداً. يؤدّي دوره بحرفة الاقتصادي. منذ عمله في السياسة واختياره الموقع الوسطيّ. أي أنه لا يريد التعارك مع أحد. هذا الوسط الذي ليس ضبابياً وليس رمادياً. وسط بلا طعم. لا يضيف ولا يغيّر، أو بالأحرى يتدخّل في الوقت المناسب لمصلحته ولمصلحة شركائه. وسط شريك مع الكلّ وينشئ علاقات ومفاوضات مع الجميع.

حتى في معركته مع سعد الحريري، لم يذهب نجيب ميقاتي إلى العداء والمغامرة. بقي كالتاجر الذكيّ، محافظاً على حصّته ومكانته وعلى ظلاله في مساحات الآخرين. فعرف كيف يتّفق مع سعد الحريري في انتخابات طرابلس النيابية، ولاحقاً في انتخاباتها البلدية، واليوم جاء الاتفاق على رجُله الطويل الذي لا ظل له، مصطفى أديب. وبرع في أن يقنع فريق ماكرون به. فمصطفى أديب، لا بد أنه أخذ شيئاً من طباع العباءة الميقاتية، التقية والصمت على شاكلة حسان دياب.

للعباءة الميقاتية خيوطٌ غير مرئيّة، لبنانية وغير لبنانية، تعرف متى تمدّ جسمها كأفعى في هذا البلد المنهار، ومتى يهبط رجالها المظليّون الذين لا بدّ أنّهم كانوا من الأوائل والمكروهين في المدرسة، وما زالوا يحتفظون بتسريحة الشعر نفسها.