عسكرة المصارف

اعتادت السلطة المالية والسياسية شراء الوقت. اعتادت أيضاً رفض الحلول الجذرية التي تبدأ بإعادة هيكلة الدين العام ووضع خارطة طريق طويلة وصعبة نحو اقتصاد أكثر إنتاجًا وأقل ريعًا. 
كما اعتادت السلطة أيضاً تصدير تبعات وتكاليف أزمتها المالية لفئات الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة وحماية مصالح طبقتها وكبار مودعيها.

بناءً على هذه التوجّهات التي باتت بمثابة عقائد للسلطة، ماذا يمكننا أن نتوقّع في المرحلة المقبلة؟

يبدو أنّ معركة رياض سلامة مع المصارف مُمثّلةً بجمعية المصارف، والتي هي معركة أشبه بالمشاكل الزوجية، قد أتت بالحل. فبدأت فعلاً «عسكرة المصارف» من خلال خطّة أمنية تقتضي توزيع رجال أمن على فروع المصارف بحجة المرحلة الإستثنائية. لكنّ هذه الخطّة ليست لضمان أمن المصارف بقدر ما هي خطة أمنية لضمان تمرير الإجراءت والتدابير الصارمة والمنظّمة التي ستبدأ المصارف بتطبيقها. ومن أبرز هذه الإجراءت، وضعُ قيودٍ على السحب بالدولار، وقيودٍ على التحويلات للخارج وحصرها بـ«تغطية النفقات الشخصية فقط».
 
للوهلة الأولى، تبدو هذه الإجراءات قيوداً رسمية، لكنّها في الواقع إجراءاتٌ توحّد العمل المصرفي الذي يطال صغار المودعين وحسب. ففي ظل هذه الإجراءت، لا ضمانات على عدم تحويل، أو بالأحرى تهريب، ودائع كبار المودعين والمقرّبين من القطاع المصرفي والمستفيدين من أرباحه.

من هنا، يمكننا فهم عسكرة المصارف. فبعد مماطلةٍ وإقفالٍ للمصارف واعتماد سياسةٍ استنسابية عند فتح أبوابها ثمّ تسكيرها مجدداً، تأتي الإجراءات الموحّدة المحميّة بالعسكر لقمع اعتراضات المودعين الصغار وطلبات المواطنين، وخاصةً المطالبين منهم بودائعهم بالدولار. تبدو عسكرة المصارف إذاً، هي الحلّ الوسط، لرفض المصارف تغطية الطلب على الدولار من خلال تحويل جزءٍ من ودائعها في الخارج، ورفض سلامة لسياسات القيود الرسمية، وامتعاضه في الوقت نفسه من استنزاف ودائعه لتهريب أموال كبار المودعين من قبل المصارف. الحدّ من الطلب على الدولار سيؤمّنه العسكر، بعدما تلاشت الثقة بالنظام المصرفي. 

هكذا سيتّخذ تدفيع الثمن للفئات الأكثر فقراً وللطبقة الوسطى، في المرحلة القصيرة المقبلة، شكلَيْن اثنَيْن:

أوّلاً،
في ظلّ ما أسماه رياض سلامة «الظاهرة»، أي وجود سعرَيْن للصرف نتيجة شحّ الدولار، بدأ ارتفاع الأسعار أو التضخّم الذي يطال السلع الاستهلاكية الأساسية المستوردة في معظمها. ورغم أنّه يمكننا أن نتوقّع من المصرف المركزي تأمين اعتماداتٍ بالدولار لاستيراد السلع الأساسية، من القمح إلى الفيول والأدوية واللوازم الطبية، فإنّ هذا التوجّه سيزيد من استنزاف احتياطي المصرف المركزي، وسيشكّل أزمة مؤجّلة. أمّا باقي السلع المستوردة، فستشهد غالباً ارتفاعاً بالأسعار شبيهاً بالفارق بين سعرَيْ الصرف، الرسمي والموازي (20%)، وستشهد الأسواق عرضاً لمنتوجات أقل. وقد بدأت بعض الأرقام تشير إلى زيادة أسعار السلع الغذائية الأساسية بنسبة تترواح بين 5 و9٪.
ورغم أن التضخّم سيؤدّي إلى تغيير أنماط الاستهلاك، أي استبدال السلع المستوردة بالمنتوجات المحلية، إن توفّرت، ممّا يساهم بتصحيح الاعتماد على الاستيراد وتشجيع الصناعة المحلية، إلا أن القدرة الشرائية ستشهد انخفاضاً ممّا سيؤثّر بشكل متفاوت على العائلات ذات الدخل المحدود والعائلات الفقيرة. 

ثانياً،
وسط تفاقم هذه الأزمة، ستشهد أسواق العمل المزيد من الاضطرابات والنتائج السلبية. فنتيجةً لتردّي الأوضاع الاقتصادية، تتّبع الشركات سياسات تقشّفية للحدّ من نفقاتها، ومنها صرف العمّال أو تخفيض المعاشات، ممّا يحدّ من قدرة العائلات على الاستهلاك وتأمين حاجاتهم الأساسية. وسيضاعف من ذلك تردّي شبكات الأمان الاجتماعي وقوانين العمل التي تصون حقوق العمّال، وخصوصاً بالقطاعات غير الرسمية. 

من هنا، يمكننا فهم رفض السلطة المالية النقاش حول إعادة هيكلة الدين والحلول الجذرية التي يمكن التصويب من خلالها على تحميل القطاع المصرفي الجزء الأكبر من أعباء هذه الأزمة. فما زال صوت السلطة الزائف يعلو للتهليل لمشاريع ترقيعيّة لن تزيد إلا من انتشار الفقر.