علاقةٌ حميمة مع الانهيار

مرّت قرابة أربعة أشهر منذ إعلان البروفسور انهيارنا. وقد شهد كلّ يومٍ خلالها خبراً استثنائياً شقّ طريقه سريعاً إلى الاستقرار في سرديةٍ قيد التشكُّل. نتقن صياغة يوميّاتٍ عاديةً في أزمةٍ غير عادية. لنا تاريخٌ مع الاستقرار في حالٍ غير مستقرة. عرفناه في تجارب مأسوية، كالاستقرار في ثمانينيات الحرب الأهلية. وعرفناه في حالات مضحكة، كالاستقرار لأشهر وسنين في فراغ الرئاسات (الذي لم نقدّر قيمته).

بات خبر اليوم المستقرّ- على عكس موضوعه – هو سعر صرف الدولار. تتوالى إثره الأخبار اليومية التي صارت تترتّب ضمن ملفّات معرّفة: الغذاء، الكهرباء، الدواء، صرف من العمل، رواتب بالليرة… ثمّ تأتي فقرة «مكتب التحرير في خبر جديد» لتخصّ كل يومٍ بلؤلؤة برنامجٍ تساعد على هضمه وتمتصّ وحدها كامل مصيبته، مثل خبر استقالة آلان بيفاني، أو تمتصّ كامل غرابته، مثل مهرجان حق التعبير للسفيرة الأميركية.

في هذا الواقع، هناك ما يذكّر بثمانينيات الحرب. حينها أيضاً، اضطر المجتمع على التطبيع مع حياةٍ لا تشبه الحياة، بلا معنى للصراع ولا أمل في النهايات.

قدرتنا على إيجاد «العادي» في عزّ الهبوط حزينةٌ لكنّها متينة. الناس مضطرون لتجسير المسافة بين «المصيبة» و«العادي» في واقعٍ فائق القلق والفوضى. ولمّا يأتيهم الخبر الصادم، ترتفع له صيحةٌ استثنائية، ثم يُطحن في «العادي» المستمرّ. تهبط الأعصاب كأنّها هضمته، بانتظار خبرٍ جديد.

اليوم، الحاجة إلى «العادي» تهضم أيضاً هبّات الاعتراض والثورة. صارت أخبارهما اليومية تستقر جنب «سعر الصرف»: إقفال طرق، جرحى ومعتقلون، اعتصامات أمام مصرف. ويسأل الناس: من في الشارع؟ ثورة أم أحزاب وطوائف؟ وتزدهر على ألسنة السلطة، بمختلف أطيافها، إجاباتٌ يوميةً أيضاً من نوع: «الزعران سرقوا الثورة»، تماماً كما «الغريب سرق الجرّة» في سردية الحرب الأهلية.


منذ الخروج في ثورة أكتوبر، ضاقت المسافة بين الشخصي والسياسي، فقد تمّ ربط الأذى بمسبّباته. صعوباتنا المتفاقمة على مختلف الصعد، من الكهرباء والماء إلى السكن والطبابة والتعليم، حملناها من عزلة البيت وقلقه ووضعناها في وجه السلطة. قلنا: هذه هي أولويات الشأن العام. ليست «خصوصيات بيوتٍ مستورة» تعزل الفرد مع مشكلته، وإنما هي حقوقٌ منتهكة. هي أجندة البلد، لا «لقاء الأربعاء» ولا زعل الحريري أو أعصاب عون. لكنّ إعادة ترتيب الأولويات هذه لا تناسب نظاماً شبيهاً، تلغيه. رفضت السلطة تعريف الشعب للشأن العام، وأصرّت بالخشب والسلاح على نفي «الشؤون الخاصة» في بيوتها، تُحلّ داخلها عبر علاقاتٍ خاصّة ومبادرات فردية. «العام» يساعد «الخاص»، ولكن لا حقّ للخاص لدى العام.

استمر المدّ والجزر في المواجهة حول المساحة العامة على مرّ أشهر الثورة، قبل أن تقضي تقريباً على هذه الدينامية عزلة الكورونا. خلالها، خضعنا لأوامر سلوكية من النظام والتزمنا بها، كأنه التأديب الذي سبق استعادة السلطة لقوامتها علينا.

ها نحن اليوم نخرج بتردّدٍ من المنازل إلى شأنٍ عام ما زال يسود المساحات الخاصة بلا منازع، ولكن بلا صوتنا، بلا أولوياتنا، وبلا أمل. سمات هذا النظام تصادر ملامح وجوهنا، بينما نجتهد لنتأقلم مع الانهيار.


عفاريت أربعين عاماً، لا أربعة أشهر فحسب، ترقص حولنا اليوم. تتكثّف في كل رمقٍ نسحبه. يقولها الناس في البيوت: «عمرنا كله ضاع هيك». لعلّ هذا أدقُّ تعبيرٍ في وصف ما يجري. في الخريف الماضي، كنّا قد وصلنا إلى التعبير نفسه لمّا توالت الفضائح. يومها، أتى خبر «6 دولار ضريبة واتساب» كدليل على فساد السلطة وركاكتها أمام انهيارٍ يتجهّز. من هذا الخبر، فُتح بابٌ مفاجئ لتنفيس القرف واليأس، فكانت ثورة.

ما جرى قد لا يتكرّر، لأنّ الآتي يخضع لشروط ما يجري الآن. قد لا نصنع 17 أكتوبر جديدًا، لكنّ شيئاً آخر قد يحدث. وللأسف، سيحدث على أرضٍ قلقة، ينهشها الانهيار. قد تسارع لطحنه في «العاديّ» إن أتى من الشعب، وقد تسارع للتأقلم تحته إن أتى من سلطة.

محزنةٌ علاقتنا الحميمة بالانهيار. درّبنا النظام أربعين عاماً على العيش بجوار «يد الفتنة»، فوق «كفّ عفريت». وها نحن اليوم نحاول إتقان العيش في خضمّ الانهيار، بينما نكاد نعجز عن تخيّل طريقٍ خارجه.