عن أجيال الحرب

لولا الدواعي التحريرية التي فرضت الكتابة عن حدث جرى قبل 45 سنة، والملل المتزايد من المحاولات الفاشلة للكتابة عن الوباء، لكانت مرّت ذكرى الحرب الأهلية من دون أي تعليق.

فلفترةٍ طويلة من الزمن، كنت، كما العديد من أبناء جيلي، ننفر من تسمية «جيل الحرب» وطقوس الذاكرة، لما تتضمّنه من «خطاب الضحية» معطوفاً على ما يشبه العِظة الأخلاقية، وهو ما لم يتناسب مع سنوات مراهقتنا آنذاك.
لم يكن نفورنا ناتجاً عن مراهقتنا فحسب، بل كان نابعاً أيضًا من شعور دفين بأنّ لا مكان لتجربتنا ضمن رواية الحرب. ففي مناخ سيطر عليه «خطاب الذاكرة» وصرامته الأخلاقية، أخذنا وقتاً لكي نعترف، لأنفسنا أولًا، أن طفولتنا في الحرب لم تكن بتعاسة التاريخ المليء بالقتل والقصف والخطف الذي كان علينا أن نتذكّره. وباتت تنتابنا حالة من الذنب، ذنب من وجد بعض اللذة في ماضٍ صُوِّر وكأنّه الشرّ المطلق.

ومع الذنب، اكتشفنا أنّنا لسنا «جيل الحرب» بل «أطفالها»، أطفال كبروا خلال الحرب ودخلوا سنّ المراهقة مع انتهائها. أما «جيل الحرب»، فكان أكبر سنًّا واضطرّ أن يعيش الحرب وقلقها الدائم وأن يدفع ثمن وقوعها. تحوّل هذا الجيل إلى «الضحية المثالية»، وتجربته إلى رواية المواطن القابع تحت وطأة الطوائف المتقاتلة، والذي يجب أن يرث البلاد مع انتهاء الحرب الأهلية.

أمّا أطفال الحرب، فبقوا سجناء ثنائيّة اللذّة والذنب: عليهم أن ينسوا ماضيهم إن أرادوا أن يتذكّروا «الحرب».

أمضينا التسعينات نحاول تطويع الحرب وذاكرتها، حتى بدأت تفقد شيئاً من هيمنتها. وتحوّلت، خاصةً بعد اغتيال الحريري وخروج الجيش السوري، إلى مادّة للتجاذب السياسي. فالطرفان المتصارعان آنذاك وعدا بطيّ صفحة الحرب: طرف رفع شعار المصالحة من خلال لقاءات بين أقطاب الحرب، وطرف وعد بزجّهم بالحبس لكونه اعتبر نفسه خارجًا عن تجربة الحرب، وبالتالي بريئاً من مصائبها. لم تتمّ المصالحة ولم تنجح المحاسبة، ولكنّ الحرب الأهلية بدت وكأنّها انتهت.

… حتى عادت، مع عودة مشاهد الحرب إلى شوارع العاصمة في العام 2008. ولمن عاش الحرب، سواء كجيل أو كطفل، كان لدويّ القصف والرصاص رنّة مألوفة، أو حتى حميمة. وبدأنا نكتشف أنّ لدينا مواهب كنّا نجهلها، كقدرتنا على التعرّف إلى مصدر القصف أو اكتشاف أكثر مكان آمن بالبيت أو فك جرّة الغاز بعد سماع أوّل رصاصة. كانت ربّما المرّة الأولى التي نتذكر فيها الحرب كتجربة حسّية وليس كخطاب أيديولوجي، ونكتشف أنّنا مهما عارضنا خطابها، فنحن صنيعتها. حتى أفكارنا وحساسيّاتنا السياسية، كحذرنا من التغيير أو عبثيّتنا العنيدة، بدأت تظهر وكأنّها نتيجة لحدث حصل في طفولة بعيدة.

لم تعُد الحرب من باب الأحاسيس فحسب، بل أيضًا جرّاء احتكاكنا بجيلٍ أصغر منّا لم يعش الحرب. ولهذا الاحتكاك الجيليّ ميزة، وهي فقدان براءة مَن يرى جيله كالمنظور الطبيعي للعالم.

فبدأ يتّضح لنا أنّ علاقتنا بالزمن والمستقبل والخوف والموت هي علاقة خاصة بنّا، ولها تاريخ مليء بالعقد والمخاوف.

كما بدأنا ندرك كم أنّ خيالنا السياسيّ محدود بالحرب التي باتت تشكّل نقطة المقارنة الوحيدة لنا. فلم نفهم أي حدث إلا من منظور الحرب: العنف في الثورة ينذر بحرب أهلية، الحجر الصحّي يعيدنا إلى يوميات الحرب، الانهيار المالي يذكّرنا ببداية الحرب الأهلية… تحوّلنا من «أطفال حرب» يحاولون البحث عن مكان لهم ضمن خطاب أسلافهم عن الذاكرة، إلى من يكرّر هذه التجربة في لحظة نفْيِها.

قد لا يكون هناك مخرج من دوّامة الحرب ووراثتها إلّا الصمت.
وربّما كان مرور الذكرى هذه السنة من دون أيّ احتفاء بها إشارة إلى أنّنا قد بدأنا ندخل إلى عالم ما بعد الحرب الأهلية، عالم قد يكون ساقطًا ومليئًا بالألم، ولكنّه يستحقّ أن يُنظَر إليه من خارج عدسة الحرب الأهلية الضيّقة والبائدة.

الكتابة على خطّ النار

الدفاع عن النفس الكمين المدبّر المؤامرة الخارجية الإشكال الفردي 7 أيار القمصان السود ميليشيات حزب الله وحركة أمل باليوم المجيد النقاش بحلقة مفرغة «التنميط»، إن لم يكن «العنصرية» «مشكلة حزب الله» «إصلاح الحزب من خلال تطمينه» أو «تجاهل الحزب من أجل إصلاح البلاد» أو «فهم الحزب بسياقه» دفاع عن المصارف أو هجوم على التحقيق أو حماية للنظام كركيزة من ركائز المقاومة «محاربة الطائفية» و«بناء الدولة» سحب السلاح

شو كنت عملت بالـ1975؟

جولات القتال في الطيّونةعوامل الدم والخوف والخطر الداهمالحركة الاعتراضيّة منذ الـ2011كنظام ابتزاز دائمالكوريدور أو الملجأ أو المنفىمراقبين خارجين عن مجتمعنا أو مهلّلين للقتل الدائمرعب تلامذة المدارس المحاصرينكوننا لسنا بالـ 1975