عن زمن الثورة والكورونا والليرة

كان الزمن السياسي واضح المعالم قبل الثورة، يقاس بجدول الانتخابات الثابت والتسلسل المتوقّع للخلافات بين أقطاب السياسة. أربع سنوات تفصل بين كل استحقاق، يتخلّلها خلافات تدوم بين بضعة أسابيع أو شهر، حسب حالة الملل الراهنة، تتصدّر السياسةَ وتؤطّرها زمانيًا. كانت الحياة بطيئة، الحدث فيها شبه خافت، مهما حاولت تقنيات «الخبر العاجل» تسريعه وإعطاءه طابعاً ملحّاً وطارئاً. كان زمناً من الركود السياسي، تواكبه حالة من القلق الدائم من هذا الانتظار العبثي.


فجأةً انفجرت الثورة، وفجأةً بدأ الوقت يتسارع والزمن يتكثّف زمناً، ليصبح النهار الواحد يفيض بأحداثٍ لم تعُد نشرات الأخبار وخبرها العاجل قادرةً على ضبطها. فجأةً تحوّلت السياسة إلى حدث فوري، ينتهي حتى قبل أن يُسرَد، مُربِكًا السياسيّين والإعلاميّين الذي وجدوا أنفسهم خارج الزمن.

زمن الثورة هو زمن اللحظة المعاشة فقط، زمن التجربة، زمن تكثيف مسارات وأحاسيس وعلاقات طويلة الأمد بلحظة سقوط قنبلة غاز مسيّل الدموع. بدأ الوقت يستعجل، لا يلحظ الفواصل التي كانت تنظّمه وفق وظائف ومجالات، يخلط بين زمن الحياة الداخلية وإيقاع الحدث العام. زال القلق الفردي، ومعه الفرد، لتصبح للمظاهرة أحاسيس ونفسيات.


حاولت السلطة إعادة السيطرة على الوقت من خلال إبطائه وإعادة ضبطه بجدول حواراتها وتشكيل حكومتها ومواعيد الظهور الإعلامي لسياسيّيها. ولكنّها لم تنجح بعدما باتت خارج الزمن.
لكنّ الأزمة المالية التي خلّفتها وراءها نجحت في فرض ذاتها كالإيقاع الجديد للزمن الجماعي.

فبعد عقود من الثبات المالي المضجر، بدأ تخلخلُ الليرة وتدهورُها، وأصبح سعر صرفها يشكل العدّاد التنازلي نحو الانهيار: 1515، 1800، 2000، 2200، 2400، 2600… زمن انحداري يُقاس بما تبقّى من طحين بالأفران أو بنزين بالمحطات أو أدوية بالمستشفيات، زمن له محطاته الثابتة: موعد استحقاق اليوروبوند، موعد دخول صندوق النقد الدولي… بات للوقت اتجاه، وهو الانحدار، وباتت النفسيّات تتّجه معه نحو الإحباط، إحباط لم تعد التظاهرات كفيلة بمعاكسته.


مع الأزمة، خرج الزمن من سيطرة اللاعبين السياسيين، ليصبح مرهونًا بكميات من العملات الصعبة المكدّسة بين البيوت والمصارف. بدأ الوقت يتفتّت إلى أزمنة، منها ما يسيطر عليه المرء، ومنها الخارج عن سيطرته.

حاول الرئيس المهترئ للسلطة السياسية أن يسيطر على هذا التفتّت. فأُخرِج من قصره وأُدخِل داخل ماكينة ضخمة، ليعلن بداية التنقيب عن النفط والمسار التصاعدي للزمن الجديد. لكنّ الطبيعة ليست بطواعيّة مناصري الرئيس، فأخذت الزمن ومدّته لسنوات، معلنةً أنّ التنقيب اليوم لن يصبح سلعةً اقتصاديةً إلّا بعد سنوات. بقي الرئيس لوحده يتلاعب بماكيناته ولم يلحظ أنّ الإحباط أصاب رئيس حكومته الصُّوَريّ.


كانت الطبيعة قد بدأت بفرض توقيتها على السياسة منذ سنوات، عندما حوّلت النفايات جيولوجيا البلد إلى مزيج من البلاستيك والغاز والكرتون، فارضةً زمن التدهور الطبيعي على عنجهية الإنسان. استطاع هذا الأخير التهرُّب من ذاك الإنذار لبضعة سنوات. لكنّ الطبيعة عادت مع فيروس جديد، أجبر كل الأزمنة على التوقّف، ريثما يأخذ الوباء الصامت مجراه، أو تقطع فترة الأسبوعَيْن التي تفصل بين من سيعيش ومن سيضطرّ إلى احتساء تراب مار شربل.
شُلَّت البلاد في انتظار تفشّي المرض، وتراجعت الثورة والسلطة إلى الحجر الصحي، وسكت الجميع. بقيت العملة تنهار لوحدها، لا يراقبها إلّا بعض الصناديق الانتهازية التي تنتظر لحظة إعلان الإفلاس.


كسر التفتُّت الزمنيّ أحادية زمنٍ على آخر، وكسر مركزية الإنسان في تحديد الوقت، ليعود كائنًا بين كائنات أخرى، منها الفيروسات ومنها كميات من العملة ومنها ماكينات للتنقيب ومنها غاز مسيل للدموع. لن ينجح الإنسان بالعودة إلى المركز بعد اليوم، إلى الوسط، لن يسير العالم على توقيته.

فهمَ البعض هذا الدرس، وتصالح مع أزمنة العالم المتناقضة، بدايةً من زمنه الطبيعي، زمن المبادرات الزراعية، التي- بالإضافة إلى نتائجها الاقتصادية والسياسية- أعادت زمناً منسيّآً إلى الواجهة، زمن المواسم المتعاقبة وزمن النموّ البطيء، زمناً يقضي على الإحباط والقلق من خلال إعادتنا إلى ما كنّا عليه: كائنات بين كائنات.

عارف ياسين، الرجل الذي أتى من تحت

وصول جاد تابت من فرنسا «بيروت مدينتي» «الخيار المهني» «نقابتي للمهندسة والمهندس» فاز جاد تابت بفارق 21 صوتاً، 4079 صوتاً لجاد تابت مقابل 4058 لنجم واحداً فقط كان يعمل في شؤون النقابة اليومية، وهو عارف

لماذا اكتسحت «النقابة تنتفض»؟

أكبر ائتلاف انتخابي على مستوى الوطنشوارع الثورة إلى داخل المؤسساتلجنة المعاييرلجنة البرنامج الانتخابيلجنة التواصل والإعلاملجنة التشبيك والعلاقاتلجنة الماكينة الانتخابية