عن مندسّي العالم

في محاولته للسيطرة على الاحتجاجات التي انفجرت بعد مقتل جورج فلويد، صرّح حاكم ولاية مينيسوتا تيم والتز بأن أكثريّة المتظاهرين هم من خارج الولاية.

على الأرجح، لم ينتبه أو يأبه الحاكم لتطابق كلامه مع خطاب سائر الأنظمة التي واجهت حالات احتجاج مشابهة.

فمن شعار «المندسّين» في سوريا، إلى الخطاب العنصريّ عن «الضواحي» في فرنسا، وصولًا إلى تخوين مَن هم مِن «خارج العاصمة» في لبنان، ثمّة خطاب واحد عن اندساس الاحتجاج إلى داخل الجماعة السلميّة.


تبيّن أن الحاكم كان يكذب. فأكثرية الموقوفين في أحداث مينيسوتا كانوا من سكان الولاية.

على الأرجح أيضًا، لم ينتبه أو يأبه الحاكم لتطابق كذبه مع كذب سائر الحكّام الذين صنّفوا معارضيهم كخوارج.

فهدف الاتهام ليس تخوين المتظاهرين فحسب، بل تحريك انقسامات المجتمع التي يمكن استغلالها للحدّ من انتشار الاحتجاج، وهي انقسامات طبقيّة وعرقيّة وطائفيّة ومناطقيّة.

قد تختلف هذه الانقسامات بين مجتمع وآخر، ولكنّ خارجها واحد: مندسّون يخرقون الترتيب المكانيّ للنظام.


لا يصون «النظامَ العام» القانونُ أو الشرطة فحسب، بل ترتيبٌ اجتماعي يقوم على خطابات ومؤسّسات تحدّد المكان المشروع للأفراد ومنطق الحركة المقبول للنظام. النظام هو أبعد من الأخلاق، هو ترتيب للفضاء العام وقوانين حركته.

فمن حدود الخاص والعام، إلى قوانين الآداب العامة، وصولًا إلى أطر التمثيل الرسمية أو التعريف السياسي للعنف المشروع، يفرض «النظام العام» نفسه من خلال تأطيره للحركة العامة للمجتمع، ليصبح عنف الشرطة خطّ الدفاع الأخير لإعادة الأفراد المحتجّين إلى أماكنهم المشروعة.
بهذا المعنى، ليس «المندسّون» فئةً اجتماعية تحدّدها صفات بيوغرافية، بل قد يكونون أقرب إلى وظيفة اجتماعية، أو صفة مَن يخرج عن النظام العام.

قد يكون طغاة العالم على حق إذًا. الاحتجاج هو فعل المندسّين، المندسّون هم المحتجّون، مَن يرفض الموقع المشروع الذي فرضه النظام.


ليس هذا الاحتجاج شغباً، كما يفسّره البعض، أي عنفَ غوغاء. فهو يطال عمق السياسة. فمن أهمّ ثنائيات السياسة، ثنائية «نحن/ هم» التي تحدّد حدود المجتمع السياسي وقالب السيادة السياسية. وحدود هذه الثنائية تفرضها الاحتجاجات السياسية التي تصارع، على مدار الزمن، لتوسيع مفهوم «النحن» أو إعادة تعريفه.

فما يجري في الولايات المتحدة ليس مجرّد اعتراض على العنف العرقيّ للشرطة، بل هو أيضًا تحدٍّ في وجه إجماعٍ سياسي وتعريف لـ«النحن» بات قامعًا لشريحة كبيرة من سكان هذه الدولة. المندسّون، بهذا المعنى، هم الطليعة المؤقتة لهذا التسييس للاحتجاج.

هي طليعة مؤقّتة لأنّ النظام العام سيعود وينتصر، وإن كان بحدود مختلفة. فالاندساس لن يدوم، وإن كانت فعاليّته السياسية تمتد بعد عودة المندسّين إلى قواعدهم المعتادة.

في لحظات الاحتجاج الأولية، لحظة الاندساس، يتعرّى النظام وتظهر ميوعته وطابعه التعسّفي. في تلك اللحظة، يتمّ مقارعة حدود المجتمع بالعنف والشغب والشتائم. في تلك اللحظة، يسيطر المندسّون على الساحات ليعلنوا زوال «النحن» الثابتة. في تلك اللحظة، تخاف السلطة على ذاتها.

في هذا العنف وذاك

ليس الحديث عن العنف بالإطلاق وبلا سياق وبنبرة باردة يُراد لها أن تكون حريصةً وأبويةً وعقلانيةً، إلا سوء فهم عميق لماهية العنف أما الهدف فواحد: احموا الجمهورية الثانية مهما كلّف الثمن، ولو تطلّب الأمر فقأ أعيُن المنتفضين، وخنقهم بالغاز

التشبيح كما عرفه الرينغ

بعد اعتقالات تعسفية عدم تحمُّلهم للإهانات سمعنا إيران ثلاث مرات وقيادتنا إلى حرب أهلية بالتعديات الجنسية ضدّ الإرهاب والشعب السوري برّر التشبيح بالفقر ولمَ رُشِق المتظاهرون لدفن الثنائيّتَيْن النقيضتين