عن 2020 وهزائمها المرّة

مع انتهاء السنة الماضية، لم يكن ثمّة شك لدى أحد بأننا طوينا صفحة أسوأ السنوات التي مرّت على البلاد منذ انتهاء الحرب، ولو أننا لم نتأكّد بعد أن أسوأ ما سيحصل لنا قد حصل فعلاً في تلك السنة. من انهيار القطاع المالي وتبخّر الودائع إلى إنفجار المرفأ، مروراً بكورونا وإفلاس الدولة وحالة الإستنزاف التي تعيشها كل قطاعات وشرائح المجتمع، هناك ما يكفي من ويلات توصم السنة بالشؤم.

لكنّ أسوأ ما في 2020 لم يكن أحداثها بالضرورة، بل كانت الهزائم التي لحقت بنا بعد تلك الأحداث.

لم يكن الإمتناع عن سداد سندات اليوروبوند في شهر آذار نكستنا فعلاً كما يعتقد كثيرون، بل كانت تلك اللحظة مجرّد نتيجة حتميّة لمنظومة ماليّة راكمت أسباب السقوط لعقود من الزمن. كانت النكسة أن يحصل الإفلاس في الربع الأوّل من السنة، ثم تدخل البلاد بعده في جولات من صراع المصالح التي لا تمتّ إلينا بصلة، وتخرج على إثره زمرة المصارف في المجلس النيابي معلنة حسم المعركة لمصلحة أرباب تلك المنظومة الذين لطالما إمتصوا دماء اللبنانيين. وفي النتيجة، كانت الهزيمة الكبرى حين روّضتنا هذه المنظومة، فسلّم اللبنانيون بـخارطة طريق رياض سلامة لإعادة هيكلة المصارف، وسلّموا بخسارة الودائع، وصرنا نتخيّر اليوم بين تطيير ما تبقى من إحتياطات لإبقاء الدعم أو الحفاظ عليها لحفظ حقوق المودعين.

على هامش كل تلك الأحداث، حصلت المعارك دون أن نقاتل، فكنّا على هامش الأحداث نتفرّج على لحمنا يُؤكل. أسقط رموز المنظومة أي محاولة لضبط السيولة المتبقية في النظام المصرفي في نيسان، تحت شعار عدم الإساءة للمودعين. ففتحوا الباب العريض أمام نهب ما تبقى من أموال المودعين. ثم أطاحوا بأي احتمال للمساس برساميل المصارف، تحت شعار رفض وضع اليد على القطاع المصرفي. فأشهروا السيوف على شركة لازارد حتّى أقصوها. وحين طُرح ملف التدقيق في مصرف لبنان لكشف ما ألمّ به من خسائر، أخرجوا ما تحت قبعاتهم من أرانب كفيلة بتطيير هذا المسار. سلّم اللبنانيون بسطوتهم، وخاضت العصابة كل تلك المعارك بسهولة.

بكل بساطة: انتصروا.

حين دوّى انفجار المرفأ في آب، اعتقدنا أن هول المأساة كفيل بتحريك الجبال غضباً وسخطاً. لكنّ الأيام مضت، وتأقلمنا مع فكرة تجهيل القاتل. وها نحن اليوم بعد خمسة أشهر على المأساة، لا نعلم مَن أتى بشحنة الموت ومن كان المستفيد منها. لا بل رأينا بأم العين المناورات التي أطاحت بالتحقيق وشلّته، وكنا هذه المرّة أيضاً على هامش الأحداث: نرى العدالة تُحتضر. وفي يوميّات السياسة اللبنانيّة، بات الحديث عن «وحدة المعايير» مبدأ يسير على أساسه التحقيق وتُبقى لأجله الحصانات، فيما مرّ علينا خبر توقّف التحقيق منذ أيام لهذه الأسباب مرور الكرام.

ووسط زحمة كل هذه الأحداث، لم يكن صادماً لأحد أن تمر أشهر في عزّ الإنهيار وأقسى مراحله دون أن يكون لدى اللبنانيين حكومة يسائلونها، أو على الأقل يسألونها عن مستقبلهم. أما قمّة الإذلال، فكانت أن يسمع اللبنانيون بأن مرجعياتهم العليا إنشغلت في آخر ساعات السنة بالتفاوض على صفقات عابرة للمؤسسات الرسميّة، يبادل فيها أحدهم ترقيات الجيش بتعيينات حرّاس الأحراج، دون أن يستغرب أحد وقاحتها.

بكل بساطة: انتصروا.

في خلاصة كل تلك الأحداث، خدّرت هذه التطورات وقسوة الهزائم الجميع. وبعد أن دخلنا السنة بشارع مشحون ومنتفض، خرجنا منها بشعب لا يأمل سوى بألا تحمل إليه الأيام القادمة ما هو أصعب وأمرّ. ولذلك، قد لا يكون الشارع مهيّأً اليوم للحظة كلحظة 17 تشرين الأول، لكنّه حكماً يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى لحظة تأسيسيّة من نوع مختلف، يخرج فيها مشروع سياسي منظّم، يتقن تحديد الأولويات وخوض المعارك، ويتقن الفوز بها وإعادة الأمل.

الصدمة المُمَنْهَجة

حالة عامّة من الضيعان للصدمة، أو الصدمات تهديم لأسس الحياة الصدمة المفبْركة ناومي كلاين في كتابها «عقيدة الصدمة» تحميل الطبقات الأكثر ضعفًا ثمن الانهيار

التباسات ميقاتي وخطورته

الصفقات التجاريّة والاستثماريّة في قطاعَي الاتصالات والشحنرأس رياض سلامةأولى العواصم التي يزورهاالتصرّف بأموال حقوق السحب الخاصّةمتفهِّماً لأهمية التفاوض مع صندوق النقدانسجامه مع معسكر المصارفحساب المودعين وسعر الصرف على المدى الطويل