فساد له نظام، جريمة لها دولة

تُمعن هذه السلطة في حربها الاجتماعية على الناس، وقد تمثّل آخر فصول تلك الحرب حين سارع بعض النواب والمحظيين وبعض الموظفين المحسوبين على الأوليغارشية بشكل مباشر، إلى تلقي اللقاح قبل غيرهم، بما يخالف معايير اللجنة الوطنية للتلقيح من ناحية، وخلاف المعايير الصحية من ناحية ثانية. هذه وتلك على حساب صحة وحياة الناس الذين سجلوا أسماءهم وينتظرون منذ أسابيع، والذين لهم الحق والأولوية فيه بسبب الخطر الداهم الناتج عن كبر سنّهم أو حالتهم الصحية الحرجة.

هذا السلوك لم يعد من الممكن تصنيفه ووضعه تحت عنوان «الفساد»، أي أن تكون حالات فاسدة جزئية شاذة عن قاعدة. لا بل هذا السلوك هو القاعدة، هذا السلوك هو الحالة الأصيلة، المستمرة والدائمة، منذ سنوات، بما يعلن أنه حالة تحوّل قديمة على المستوى الكيفي للنظام في لبنان.

فالمسارعة إلى مصادرة تلقّي اللقاح والعلاج، ولاحقًا الانتقال إلى ما تجيده هذه السلطة جيدًا لناحية احتكار اللقاح وجعله في أيدي الشركات الخاصة وفي أيدي بعض المنتفعين بهدف التجارة وجعله في السوق السوداء كما حدث في أدوية فيروس الكورونا. وقد يفتح ذلك الباب أمام تزوير اللقاح وبيعه على أنه أصيل، كل هذا أمام أعين الناس والقضاء وكافة الأجهزة الرقابية والأمنية في الدولة دون أن تحرّك أي ساكن؟

كل هذا يعلن، وبصريح العبارة، إن توصيف «نظام فاسد» لم يعد مجديّا، لم يعد يعبّر عن الحالة ويفيها حقها. بل هو، وبكل تأكيد، مرحلة جديدة. حالة بعنوان مختلف، حالة يليق بها تسمية «فساد له نظام»، و«جريمة لها دولة». نظام وجريمة منظمة لهما، بالإضافة إلى طبقة ناهبة، أركان أخرى: تشريعية، وتنفيذية، وقضائية، وصحية، وأمنية، دون نسيان الإعلامية.

من هذه الزاوية يجب النظر إلى الأمر منذ الآن فصاعدًا، أي أن نضع ما جرى البارحة لناحية «القوطبة» على تلقي اللقاح بوصفه أحد فصول تلك الحرب التي أعلنتها هذه السلطة على الناس منذ زمن، والتي وصلت إلى مستواها البيولوجي الآن. هي حربهم علينا، هي «ذئبية» اقتناص الفرص ومصادرة شروط الحياة والعيش، مصادرة كل شيء، بما فيه ما يمس صحة الناس… وكأنهم يعلنون أن مجرد وجودنا، أي الناس، أو بقائنا، أو تعافينا، هو خطر داهم عليهم، ما يستدعي إمعانهم في قتلنا أسرع وأكثر، قتلنا بطريقة ناجعة، على غرار ما جرى في انفجار المرفأ.

إنها الحرب في طابعها الصحي/ البيولوجي، حرب البقاء المتمثّلة بسلوك مصادرة شروط العيش بهدف البقاء.
فمنذ أكثر من سنة شرّعت هذه السلطة، وحمت، وأمعنت في سرقة ونهب أموال الناس.
ومنذ أسابيع أعلنت عن فصول أخرى للحرب على الناس والناشطين، فأعادت فتح ملف الاغتيال السياسي المباشر بعد الاغتيال المعنوي الذي تمارسه على منصاتها وجرائدها وفي مجتمعها وميدان نشاطها.
وبعدها أعلنت عن حربها البوليسية على الناس، فلاحقت كل من يتفوه بما يزعجها، أو يصوب السهام عليها، وصولًا إلى النقلة النوعية التي شهدناها في المواجهة، أي حين انتقلت إلى الصاق صفة الإرهاب بالمحتجين الفقراء، فقط لأنهم يصرخون ويواجهون دفاعًا عن لقمة عيش باتت صعبة المنال.

هذه وغيرها من الفصول دون أن نضطر إلى غلق الباب على احتمالاتها المستقبلية. إذ أنها، وبكل تأكيد، وكما عودتنا، سلطة طبقية ستجد أشكالًا أخرى أكثر إجرامية، ستجد أشكال مواجهة أخرى، وفصولًا جديدة من ممارسة إجرامها ووحشيتها.

هي فصول تتوالى، وتشي بما ستؤول الأمور إليه في القادم من الأيام. فهل سنصل إلى مرحلة رمي المحتجين بالبراميل، بعد أن سرقت أموالهم، وأطلقت النيران عليهم، وفقأت أعينهم، واعتقلتهم، وفجرتهم، وسجنتهم، واغتالتهم، وقوّضت كل إمكانية للمحاسبة، وذلك على غرار الأنظمة التي ترعرعت في أحضانها وتسير في فلكها؟
هل ستدس السم في اللقاح، أو في الماء، أو الطعام، أو الهواء؟
هل ستشعر أنها بحاجة إلى اقتراف إبادات جماعية أخرى، طبقية أو طائفية أو غيرها، كلما ستنفضح أكثر، وكلما سيضيق الخناق عليها داخليًا وخارجيًا أكثر؟

هي أسئلة ليست تشاؤميّة، ولا تبغي بثّ هذه الروح، بل هي الاسئلة الواقعية الوحيدة بعد كل ما جرى، ويجري، ومن الواضح أنه سيجري.

طلّاب

العالم، هذا العالم أًصبح أكثر وضوحًا. حذف الجمل الإنشائية والجمالية من نصوصه. كشَّر عن أنيابه. أزال طبقة التحضُّر المزيف عن وجهه. فتح باب قاعِه على مصراعيه. وقذف السيستم المتهالك بالطلاب نحو القاع... قاعه، وابتلعهم

الكفالة

هل لنا أن نذكّر بمعاناتهنّ المزمنة؟ تحرّش، فوقيّة وعنصريّة، ذكوريّة وقِحة، انتهاكات تصل إلى حد الاتجار بالبشر، عنف يصل إلى حد القتل، استغلال مستفحل يصل الى حد العمل القسري، وأصحاب منازل قد يتمادون إلى حدّ «التخلّص منها»