فقاعتنا والانفجار

بعد ثلاثة أسابيع، لا يزال «التحقيق» جارياً. لا يزال تبادل الاتهامات جارياً. ولا تزال المحاولات لاستعمال الجريمة كـ«فرصة» لتحقيق المكاسب جارية. كأنّه ما مِن انفجار. كأنّهم لم يقتلوا المئات ويشرّدوا الآلاف. كأنّ الـ52 مفقوداً لم يوجدوا يوماً.

لا أعرف ما الذي نتوقّعه منهم الآن. الاستقالة؟ الاعتراف بالجريمة؟ الاعتذار؟ كرّ المسبحة وكشف المستور؟ أَنَتَوهَّم أنّ من ارتكب كلّ تلك الجرائم السابقة، سينخدِش حسّه الإنساني الآن؟ ليس هذا تقليلاً منّي لحجم الجريمة، ولا لحجم ثورتنا وقدرتها، لكنّه إدراكٌ- متأخّر ربّما- بأنّهم متوحشّون أكثر ممّا كنّا نعتقد.

بعد الانفجار، انكسر شيءٌ ما داخل كلّ واحد وواحدة منّا، لكن انكسر شيء أكبر داخلهم. ربّما كان وقاحتهم أو ما تبقّى من إنسانيّتهم، ما تبقى من قصة يحاولون إقناع أنفسهم بها عندما لا يقوون على النوم، يروونها لأنفسهم ليطمئنوها.

ربّما انكسر كلّ ذلك منذ زمن، لكنّنا أصبحنا نراه الآن بوضوح أكثر. فهل كانت فقاعتنا تحمينا من التخيّل بأنّ كلّ هذا الشرّ موجود داخلهم؟ أيّاً يكن الأمر، فإنّ المرفأ حين انفجر، انفجرت معه فقاعتنا.


تجنّبتُ المرور في مسرح الجريمة أسبوعاً كاملاً بعد الانفجار. لكنّي عدتُ واستجمعتُ قواي الجسدية والعقلية وقرّرت أن أسلك الطريق البحرية التي تأخذنا من وسط بيروت صوب المرفأ. وصلت للطريق المواجه للمرفأ، وحين رأيت إهراءات القمح، تسمّرت في مكاني. هذه هي إذاً الإهراءات التي أمضيت أسبوعًا كاملاً أبحث عن صورها، من الأرض ومن الأقمار الصناعية ومن البحر ومن الطيّارات المسيّرة، أدرسها علّني أجد ما يواسيني فيها. أقارن صورها قبل الانفجار وبعده. أتساءل كيف كانت تُخَزَّن الحبوب فيها. وأين هي المكاتب وأين هي الفتحات التي تكلّم عنها أبناء المفقودين. ظننت أنني سأقوى على مواجهة تلك الصوامع الشاهدة على الجريمة. لكنني أدرتُ وجهي بسرعة، ثم عدت لأسترق النظر.

لقد أصبحنا مثل تلك الصوامع، موجودين، شاهدين على الخراب الذي قادنا إلى الجريمة، والخراب الذي أصابنا مع هذه الجريمة، والخراب في التعاطي مع الجريمة. خرابٌ بخراب. ونحن هنا. نقف وسط هذا كلّه، محاطين بالدمار، نحاول لملمة أشلائنا. ويقال عنّا إنّنا صامدون.

بالفعل، نحن صامدون جسديّاً. لكن ماذا بقي لنا؟ لا مدينة، لا ناس، لا عزيمة، لا مستقبل. ولا حتّى نظامٌ نصارعه، فذلك سقط أيضاً. هوى مع المباني التي هوت. معاركنا القديمة معه أصبحت خلفنا. لا يمكننا مواجهته بعد الآن كما كنّا نفعل. فما نشهده لا يشبه أيّ شيء رأيناه مِن قبل. ووحشيّتهم بالتعامل مع الأمر تؤكد ذلك. لا يمكننا مواجهة نظام مصالح مشتركة يقتلنا عن قصد في كلّ نواحي حياتنا، فعليٍّا ومجازيٍّا، بتكتيكات ما قبل الانفجار نفسها.

ربّما خزّنت تلك الإهراءات أكثر من قمحٍ وحبوب. لعلّها خزّنت روح بيروت التي كانت تعنينا. لعلّها خبّأت سذاجتنا في التعاطي مع السلطة. لعلّها خبّأت أحلامنا وآمالنا القديمة. عندما انفجر نيترات الأمونيوم، انفجرت معه الصوامع، وسال منها القمح وامتزج بسموم أخرى. ومعها، سالت أحلامنا وامتزج الأمل الذي رافقنا منذ الثورة، بكآبتنا التي كنّا نخفيها داخلنا. لم تعُد بيروت كما كانت، ولا عدنا نحن كما كنّا. وهم بقوا لكنّهم لم يبقوا.

لقد انفجرت فقاعتنا حقاً. لكن انفجر معها أيضاً غضبنا. ذلك الغضب الذي سيكون عنوان مواجهاتنا معهم، وسبيلنا الوحيد من الآن فصاعداً. بالفعل، «حافظوا على غضبكم»، سنحتاجه.

السَّفَلَة

نحن السَّفَلَة الذين يتولّى حمايتَنا أبو خشبة شكّلنا حزب المصارف فقرّرنا الإطاحة بالقاضي الثاني فنحن نحاكِم ولا نحاكَم نحن السَّفَلَة الذين نعرف من جاء بالنترات نحن السَّفَلَة المؤتمنون على الدستور

عندما فقدت السلطة القدرة على الكلام

اكتساح فقدانها أبسط شروط السياسة، أي القدرة على الكلام اعتذارالحكومة المطروحة لو أبصرت النور كانت هي أيضاً «لا-حدثاً» حصانات فماذا يمكن أن يقوله محمد فهمي للنعوش التي طردته من منزله؟ صمت الانهيار هي لم تعد سلطة في وجه انهيار، هي سلطة الانهيار