17 تشرين بعد عام ▪︎ في رثاء «الحزب الذي»

على امتداد العام، قيل لثوّار أكتوبر:
مين زعيمكم؟ ليه ما عندكم زعيم؟ ليه ما بتشكّلوا حزب؟ كيف بدكم تاخدوا السلطة؟ ليه عم تتعففوا؟ شو البديل؟.

كلازمة صلاة العيد، سادت هذه المساءلة الجهنمية مساحات السلطة والثورة معاً. وهي أسئلةٌ لم تستقصِ بُنية الثورة وإمكاناتها بقدر ما حلّت كمعايير لمحاكمتها وشروط لوجودها، ما يشي بوجود ديناميةٍ بين واقع الثورة على الأرض والمطلوب منها في الخطابة. استهلكت طاقاتنا في نقاشات طواحين الهواء: فلا الحزب سينتزع السلطة ولا الزعيم سيُرسي البديل.

طرقٌ مختلفة قادت إلى سيادة خطاب «الحزب الذي لا يتعفّف عن طلب السلطة».

لمّا نزلنا إلى الشارع على امتداد لبنان، شعرنا بالكثير الاستثنائي واتخذت أفعالنا أشكالاً تنظيمية متنوعة، بعضها لم يُعرّف في قالبٍ بعد. أمام هذا الإيقاع الذي انتظم على هواه، تاق الكثيرون إلى حماية «الأمل» عبر سحبه من واقعه واسقاطه في بنيةٍ مألوفةٍ تلتحق بركب السائد وتحجز لنفسها مساحةً فيه. ما قادهم إلى خطاب «الحزب الذي».

فوقهم، ارتفعت أصواتٌ أبوية، تحاكم الواقع والبنى التنظيمية التي ينتجها، وتدينها بأنها لا تشبه البنى المألوفة والسائدة في عصورٍ سياسية سابقة، مهمّشةً كلّ ما يجري خارجها كـ«لعب ولاد زغار». وقد ذهبت هذه الأصوات إلى حدّ «خرجكن» ما دمتم لم تنتجوا «الحزب الذي» بعد، بمعنى أننا نستأهل تجاهل السلطة لنا (ورميها لنا بالغاز ربما؟) لأننا نخاطبها بلغة: بدّيش وجهله رسالة والشعب يطالب ولا يفاوض.

أما النظام الخبيث الذي يجب أن نفاوضه، فأبدى كالعادة حماسته للثورة ورغبته بمساعدتها، على طريقة: أريد أن أفاوضهم، لكن من هم؟ لديهم خطة؟

وهي تقنية اعتادها النظام، تذكّر بتجربة سنة 2015، لمّا طالبت الحكومة الشعب بتقديم خطة بيئية لمعالجة النفايات، فانبرى «هالمجتمع المدني» يتصارع ويخرج بخططٍ أمتعت النظام وسمحت له باستعادة موقع السلطة/ الأبوّة على «حركة احتجاج طفولية يستغل المندسون براءتها». ولحق به المجتمع العريض إلى هذا الحكم، وها هي المطامر في ديارنا عامرة. النظام يعطّل الاعتراض الشعبي بمجرد أن يرميه بمسؤولية الخروج ببديل، أي إدارة الدولة.

أكثر من حزبٍ، مثل «حزب سبعة»، تشكّلوا في واقعنا بلا «تعفّفٍ» عن السلطة، ورأيناهم أمامنا يستقرون في هامش صناعة القرار، بسرعةٍ وفخامة. إنّ ما ينقصنا لانتزاع السلطة من العصابة الحاكمة ليس تقنياً. لم يكونوا يوماً على وشك تسليم/ مشاركة السلطة، وحين لم يجدوا «الحزب الذي»، احتفظوا بها.

هذا تبسيطٌ مهول لسلطةٍ عميقة التجذّر. نظامنا أدار حرباً أهلية، ألحقها بهندسة للدولة خلال 30 عاماً جعلته كالأخطبوط متحكماً بكامل سلطاتها ووظائفها، الرسمية والموازية و«السوداء». كنا في الشارع والإنهيار يهبط بنا، ولم يشعر النظام بضغطٍ لتشكيل الحكومة بأسرع من العادة وبشروطٍ أقل (ناهيك عن «مختلفة»).

نحن، مفاوضيه المفترضين،
ما الذي نملكه لنفاوض به غير أجسامنا، وقد استخدمناها إلى أقصاها؟ هل التغيير الديموقراطي هو عملية مجتزأة، تتجلّى فجأةً وعجائبياً على هيئة صندوق الانتخاب و«الحزب الذي»؟
هل يمكن لحزبٍ أن يفاوض نظاماً كشّافته «شرطة مجلس»؟
أليس ذلك قصوراً في تشخيص النظام والمجتمع معاً؟
لا بد أننا نتمتع بقدرٍ لافت من الأمل (والإيغو، أحياناً) لنتوهم القدرة على والجدوى في «مفاوضة» هكذا نظام.

إلى انتفاء القدرة التأثيرية، يأتي سؤال الكفاءة التنظيمية: كيف تأسّست الأحزاب في بلدنا، من أقصى اليمين واليسار إلى أقصى الطوائف، ولماذا لا تتأسس الآن؟
جميع الأحزاب الراهنة استفادت من تفرّغ الحزبيين وانضباطهم، وبالتالي من تمويلٍ خارجيّ، وللأسف تسليح، لكي تنهض وتصنع ما صنعته. وما صنعته لا يغري بالتكرار. نحن جزءٌ من الشعب، كنا نشتغل في وظائفنا من 9 صباحاً إلى 6 مساءً، وانخرطنا منهكين بعد الدوام في اجتماعات تنظيمية حتى ساعات الصباح الأولى، تطوعاً، بحسنات ذلك وسيئاته على العمل المنظّم. لسنا متفرّغي أحزاب ممولة، ولا نريد أن نتسلّح، ولن نجعلها حرباً بخفّةٍ قاتلة لم تتردّد أمامها أحزاب الأمس.

نحن لدينا تجربةٌ آسرة بين أيدينا، ابنة واقعنا، تنتظرنا لنراجعها.
لدينا حملة بسري، ولدينا لجنة المحامين، ولدينا وقفات مُجدية أمام المخافر والمحاكم تتحدى سلطاتها.
لدينا أشكال تنظيمية مثل «لحقي» تسعى لتستمر، ولدينا حالات نقابية مثل «نقابتي» للهندسة أو «نقابة الصحافة البديلة» تحتاج تفنيداً، ولدينا «مهنيات ومهنيون» نحتاج أن نعرف ما جرى لهم/نّ ولماذا.
هذه أمثلة لأشكال تنظيمية أنتجها واقعنا، تتطلب منا أن نسأل ونناقش ونقرأ فيها: كيف تشكّلت واستمرت ولماذا تهشّم بعضها أو جمد؟ وهل اخترقنا جدار النظام فعلياً في أيّ من تجاربنا؟ هل أثّرنا في مجتمعاتنا المحلية الكثيرة والمختلفة؟ كيف كانت علاقتنا بالأحزاب الموجودة، بماذا استفدنا منها وأين أذتنا؟ باختصار، أين تمكنّا من تشكيل «قدرة» وما الذي سنتفاداه مستقبلاً؟

هذه النقاشات تنتظرنا في عالمٍ استثنائيّ الصعوبة، من القمع إلى الانهيار، ومن الكورونا إلى الانفجار. فأي ماضٍ هذا الذي يمكن إسقاطه على حاضرنا، كأنّ الدنيا جامدةٌ في زمنٍ أو الثورة جامدةٌ في شكل؟ ولماذا أدبيات «جلد الذات» على عدم تشكيلنا «الحزب الذي»، بينما لدينا قصةٌ تُكتب عضوياً بعلاقةٍ شديدة الاندماج مع الواقع؟

إن الفارق بين ما يجري على الأرض والتنظير حوله لا يأتي من عدم، بل من ضجيج عالمٍ يأفل وأخرٍ يتشكّل. وبكلامٍ أكثر تواضعاً، إنّ «الحزب الذي» لم يتشكّل، لا ضرورة لتشكّله. أما الوجه الذي ظهر فلا خيرَ في تهميشه. هذا هو الوجه الذي قال للنظام بأكمله: لا.

هيب هوب ودبكة وبطولات وهميّة

الفيديوهان هما عبارة عن مُنتَجَيْن موسيقيَّيْن أُعِدّ كلٌّ منهما لأحد أحزاب السلطة الحاكمة صور ميليشيات حركة أمل المسلّحة رافعين شارة التيار الوطني الحر نحن حديثون و«كُول» ويمكننا تأليف أكثر من ثلاث جمل عن نفسنا

ثورة على (الخوف من) الأحزاب

طرابلس في ضاحية بيروت جسور ثقة، حتى ولو في الهواء من دون أيديولوجيا واحد «قوّتجي» بيننا، ونريد أن نشفيه بالرغم من خطاب السيّد مساحات لجمهور الأحزاب الفيل الجالس بيننا في الغرفة