قانون قيصر يهبّ على لبنان

من الخطأ الاعتقاد بأنّ قانون قيصر الذي يدخل اليوم الاثنين حيّز التنفيذ، سيكون مجرّد حلقة أخرى في سلسلة العقوبات الأميركيّة على النظام السوري. هذه المرّة، لن تقتصر العقوبات على تجميد أصول النظام ومؤسساته ومسؤوليه في الولايات المتحدة، ولا على منعهم من استعمال الدولار في التحويلات التجاريّة وحظر تعامل الأميركيين معهم. فقد باتت العقوبات على مستوى مختلف تماماً:

كلّ من يساهم في دعم النظام ورئيسه ماليّاً، أو يرتبط معه في استثمارات أو أنشطة تجاريّة في العديد من القطاعات الحسّاسة، سيكون عرضة لأن تشمله العقوبات وكأنّه أحد المسؤولين السوريّين المشمولين في العقوبات الجديدة.

توسّع العقوبات على هذا النحو، وتزامن دخولها حيّز التنفيذ مع الانهيار الاقتصادي الحاصل في لبنان، يحتّم إجراء جردة لما يمكن أن تتركه هذه العقوبات من أثر، وتحديداً على ثلاثة مستويات:

أوّلاً، تزايد الضغوط النقديّة على لبنان
كما هو معروف، ما زال مصرف لبنان يدفع من احتياطاته الدولارات المطلوبة لاستيراد الدواء والقمح والمحروقات. وخلال هذا الأسبوع، يستعدّ المصرف المركزي لإطلاق منصّته التي ستعمل على توفير الدولار بسعر مدعوم آخر، لاستيراد السلع الغذائيّة الأساسيّة. وعلى خطٍّ موازٍ، بات المصرف المركزي يعمل أيضاً على توفير الدولارات المطلوبة لتوفير المواد الأوّليّة المطلوبة لبعض الصناعات.
باختصار، فإنّ كل عمليّة استيراد لهذه السلع تعني عمليّة استنزاف في دولارات المصرف المركزي، وفق أسعار مدعومة محدّدة.

وفي الوقت نفسه، من المتوقّع أن تؤدّي العقوبات الجديدة إلى إحجام الكثير من الشركات والمصارف الأجنبيّة عن التعامل مع الشركات والمصارف السوريّة، خصوصاً وأنّ القانون يحرّم الأنشطة التجاريّة والاستثماريّة في قطاعات سوريّة واسعة. كما يحدّد القانون المصرفَ المركزي السوري بالاسم كهدف يمكن وضعه على قائمة العقوبات، وهو ما سيهدّد النظام المالي السوري بالعزلة التامّة.

وهكذا، من المتوقّع أن يلتفت النظام السوري وحلفاؤه سريعاً إلى لبنان، كواجهة ومتنفّس في ظل العقوبات الخانقة. لكن ذلك سيعني مفاقمة جميع الضغوط النقديّة على لبنان، كما فاقم تهريب المحروقات الأزمة اللبنانيّة في وقت سابق، لكن بحجم أكبر هذه المرّة.

ثانياً، سقوط جزرة إعادة الإعمار
منذ أن بدأ النظام السوري بتحقيق التقدّم العسكري على الأراضي السوريّة، ارتفعت أصوات حلفائه في لبنان المنادية بتطبيع العلاقات معه، على قاعدة ضرورة استفادة لبنان من مرحلة إعادة الإعمار. وتوسّع حديث هؤلاء عن مغريات المرحلة القادمة من الناحية الاقتصاديّة، وعن مسارعة الكثير من الدول إلى فتح قنوات التواصل مع النظام السوري لأخذ حصّة من مغانم المرحلة القادمة.

اليوم، باتت كلّ هذه الرهانات خلفنا.
فالرهان على مرحلة إعادة إعمار دسمة يقتضي وجود بيئة استثماريّة جاذبة للرساميل الأجنبيّة. لكنّ العقوبات الأميركيّة ستكون كفيلة بإبعاد أصحاب هذه الرساميل الذين لن يرغبوا بالدخول في عزلة ماليّة دوليّة كثمن لدخولهم في السوق السورية.

ثالثاً، تزايد الضغوط السياسيّة
منذ اندلاع الثورة في لبنان، شهد اللبنانيّون تشبّث حلفاء النظام السوري في لبنان بالسيطرة السياسيّة على السلطة في لبنان، وإن لم يمانعوا إعطاء هذه السيطرة صبغة التكنوقراط على طريقة حكومة حسّان دياب. ومن المعروف أن هذه الأطراف السياسيّة، بالتحديد، كانت رأس الحربة في مواجهة أيّ حديث عن حكومة مستقلّين، لا يمتلكون فيها تمثيلاً ونفوذاً سياسياً واضحاً.

لكنّ العقوبات التي ستُفرَض على النظام السوري اليوم، ستعزّز أهميّة لبنان كنافذة أساسيّة للنظام في ظلّ الحصار الاقتصادي الذي سيلتفّ حوله.

وبالتالي، من المتوقّع أن تتزايد ضغوط المحور الذي ينتمي إليه النظام السوري، لحماية هيمنة حلفائه ضمن تركيبة السلطة اللبنانيّة، بمعزل عن كلفة الانهيار الاقتصادي الحاصل في ظلّ فشل السلطة في التعاطي مع معظم الملفّات المطروحة أمامها.

ستساهم هذه العوامل الثلاثة، السياسيّة والاقتصاديّة، في زيادة التحدّيات الناتجة عن الأزمة الاقتصاديّة، كما في زيادة التحديات التي ستواجه مساعي التغيير السياسي، وهو ما يفرض إبقاء ملفّ العقوبات الجديدة تحت المجهر.

إنّها كلفة حماية المنظومة لا كلفة الأزمة

ما نشهده اليوم هو تداعيات مباشرة لرفض التعامل مع أزمة الدين العام عبر التفاوض على أصل واستحقاق السندات المقومة بالليرة اللبنانيّة، لحماية رساميل المصارف ومصالحها.

مستر الـ30 بالمئة: الاستثمار بالفقر

«الاستثمار» بالفقر قرض قيمته 246 مليون دولار إشكالية سعر الصرف البنك الدولي رضي بهذه المعادلة تقليص عدد العائلات الأكثر فقراً المستفيدة تهريب نسبة كبيرة منهاالطباعة هي كذبة وجريمة سياسة «السلبطة»