17 تشرين بعد عام ▪︎ قصة بلد يحتضر على يد نظامه

مرّت سنة على الحدث التاريخي الذي كسر حاجز الخوف، سنة على الثورة التي أعادت صنع الأمل. ولكن مرّت أيضًا سنة على محاولات النظام لدفن هذا الحدث وإصراره على التعامل معه وكأنّه لم يقع. كل شيء تغير هذه السنة باستثناء ثقة النظام بإعادة إنتاج نفسه، حتى ولو بات أفقر وتضاءلت قدرته على إعادة رسملة نفسه، حتى ولو باتت الخسارة التي وقعت على الجميع كبيرة ومأسوية. فالنظام أقرّ بضعفه عندما اعترف أنّ شرط استمراره هو الإفقار العام، حتى باتت نسب البطالة والفقر والتضخّم تشبه مؤشّرات آتية من قرن آخر.


ربّما شكّلت الورقة الإصلاحية الهزيلة التي سبقت سقوط حكومة الحريري لحظة الإرباك الوحيدة لهذا النظام خلال السنة الأخيرة. فهي، وإن أُنجِزت على عجل لإرضاء الشارع المنتفض، تخللتها وعود بدت غير مسبوقة، من إلغاء مؤسسات عامة عقيمة إلى شطب خدمة الدين العام من حصة المصرف المركزي، إلى ضبط الحدود. لكنّ النظام تدارك نفسه بعد استقالة الحريري، وبدأ مشوار الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، من عسكرة المصارف وحجز أموال المودعين، إلى فرض قيود اعتباطية وسيادة السوق السوداء، وصولًا إلى تدهور سعر صرف العملة الوطنية، وكل هذا على نغمات يسقط حكم المصرف.

حين أتى البروفسور، أتى معه خطاب الإزدواجيات الساذجة التي علينا الإختيار بينها: قمح أو يوروبوند، صندوق النقد أو فنزويلا، اقتصاد منتج أو اقتصاد ريعي، تفعيل القطاع الخاص أو تحجيم القطاع العام. ومن وراء تلك الخيارات المستحيلة، بدأت لعبة المحافظة على ما تبقى من إحتياطي مصرف لبنان (إقرأ أموال المودعين) على حساب أي إصلاح اقتصادي. أعلن لبنان التعثّر غير المنظّم، واستُبعد عن الأسواق المالية العالمية، في ظل تلاعب المصارف مع جهات استثمارية خارجية عبر بيعها اليوروبوند، ممّا أتاح إمكانية عرقلة إي مفاوضات لإعادة هيكلة الدين.

لم تكن هذه هي المفاوضات الوحيدة التي تمّت عرقلتها. فانتهت الجولة الأولى من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بعدما طالت مسألة توزيع الخسائر وتحميل المصارف وكبار المودعين حصتها من الخسائر. ووقف رئيس المجلس سدًا منيعًا في وجه الكابيتال كونترل مباركًا في ذلك المزيد من تهريب الأموال الإنتقائي. واجتهدت المصارف بصياغة خطة بديلة بمباركة لجنة برلمانية تمثل مصالح جميع زعماء الطوائف، وعمدت إلى تأمين خسائر القطاع المصرفي من الأملاك العامة بحجة حماية المودعين. اعترف العالم بأكمله بأكبر عملية «ponzi scheme» في تاريخنا الحديث، ما عدا مهندسيها الذين أصرّوا على إنكارهم. 


في موازاة ذلك، لا يزال المصرف المركزي متصلّباً في خطته. فهو، لعدم الإقرار بالخسائر في القطاع المصرفي والودائع التي تبخّرت، بدأ يطبع العملة ويعوّم السوق بالنقد عبر دفع مستحقات المودعين بالليرة على سعر صرف اعتباطي. سمحت هذه السرقة الموصوفة بالتخلص من جزء من الخسائر بالدولار وتمويل الدولة المفلسة. وتسببت هذه السياسة النقدية بمزيد من التدهور في سعر الصرف وأنتجت حلقة خطيرة من التضخم. فكل نقد يطبعه المصرف المركزي يتحول طلباً للدولار، نظراً لكوننا نستورد 80% من حاجاتنا. 

لكنّ النزيف من احتياطي مصرف لبنان استمر، لأن خطة كهذه لا توقف النزيف. اختبأ المصرف المركزي وراء ادّعاء أنه يصرف احتياطيه على «دعم» السلع الأساسية، وزيادة الكتلة النقدية بهدف تصريف أعمال الناس. لكن فاتورة هذا الدعم بدأت ترتفع بسبب السياسات النقدية ذاتها التي أدّت إلى الأزمة الأصلية، وسط معلومات عن تبخّر الاحتياطي بما يفوق ما صرف على الدعم. فأعلن المصرف المركزي عدم قدرته على الاستمرار في الدعم للمحافظة على ما تبقى من الاحتياطي.

رفضت الحكومة هذا الخيار وكأنّه بات للدولة فجأة اهتمام في حماية «فقراؤها». فلم يجد الحاكم إلا ابتكار أحد «حلوله الخلاقة»، والتي تقضي بتخفيف فاتورة الدعم عبر سحب السيولة بالليرة وخنق الاقتصاد عبر خفض الطلب الإجمالي. وقرّر سحب السيولة تزامناً مع الطلب من المستوردين تسديد ثمن استيرادهم نقداً للمصارف، قاضياً بذلك على قدرتهم قبول وسائل أخرى للدفع من بطاقات إئتمان وشيكات.
لهذه الخطة طبعاً نتائج كارثية على المدى القصير، من تعميق الانكماش، وزيادة البطالة، وفقدان السلع الأساسية من السوق، إضافة إلى نتائج طويلة الأمد تطرح تساؤلات جدية عن قدرة الإقتصاد على التعافي. فضلاً عن ذلك، فإنّها تمهّد لمعركة جديدة بين المودعين والمصارف، رغم أنّ أحد الأهداف المقنّعة لهذه الخطة هو التطبيع مع القطاع المصرفي.

لكن مهما انخفض سعر الصرف وسط هذا الانكماش، فإنّ إمكانية ضبطه تبقى رهن خطة متكاملة تحدّ من النزيف، وتعالج عجز ميزان المدفوعات، وإعادة هيكلة الدين والقطاع المصرفي، إضافة إلى تغيير جذري في السياسة المالية والنظام الضريبي.   
 


يصعب التخيّل أنّ سنةً مرّت على هذه المأساة. مرّت سنة على اعتيادنا وتعايشنا مع ستّة أسعار صرف، ومصطلحات خلاقة مثل التكنوقراطية واللولار. 

مرّت سنة، وأصبحنا على مشارف جمع الأسوأ بين الثنائيات، من نفاذ القمح مع الإفلاس التام بعد التعثر غير المنظّم على الطريقة الأرجنتينية، مع صندوق نقد ممتعض وبوادر التجربة الفنزولية مع المجاعة. 

مرّت سنة، وتحول صندوق النقد من فزّاعة إلى مخلّص، ننتظره بفارغ الصبر لوقف نزيفنا. فمطالبته بتحميل المصارف حصتها من الخسائر وتوحيد سعر الصرف وتمويل مشاريع دعم الفقراء تبقى أفضل من الكابوس الذي نعيشه والذي لا قعر له.

مرّت سنة، وتحوّل الاقتصاد الريعي، ليس إلى اقتصاد منتج، بل إلى اقتصاد لمصالح الـ 6000 زبون أو عميل مصرفي. أمآ القطاع الخاص، فيجنح إلى الإفلاس والصرف الجماعي والإقفال التام. أتت هذه الحقيقة لتؤكد سذاجة هذه الثنائيات، فيما نحن ننتظر الضربة القاضية التي تعد بموتنا خنقاً.

يعود النظام إلى لحظة ما قبل 17 تشرين بتحضيره لعودة الحريري وكأنّ شيئاً لم يكن. لرّبما علينا نحن أيضًا العودة إلى الوضوح نفسه، إلى لحظة 17 تشرين. خلال هذه السنة، أمضى النظام وقته يؤكّد لنا أنّ ما من بديل عنه. بعد سنة، يبدو واضحاً أنّ لا قدرة له على استمراره.

ثورة الجياع القادمة

التراجعات الظرفيّة للشارع ستصبح تفصيلاً «ثورة جياع» حقيقيّة تراجع القدرة الشرائيّة حملات صرف جماعيّة يوميّة السقف الذي تسمح به المصارف شيكات صناديق التعاضد كتلة بشريّة غير قادرة على توفير الحد الأدنى معارك عبثيّة مع فئات ضعيفة

رياض سلامة: طلباتٌ مُريبة في زمنٍ مُقلِق

النظام المصرفيّ خسر في ذلك الشهر وحده حوالي 5.68 مليار دولار من ودائعه نتيجة هذه السحوباتلم تتأخّر بعض المصارف في الاستفادة من تصريح سلامة، فبدأت بالتقشّف في إرسال الدولارات إلى الفروع التي أعلنت بدورها نفاذ الدولارات المتوفّرة