قضاة العار والارتياب المشروع

بعد أشهر من المماطلة في التحقيق، ومع أول إشارة لاستدعاءات لسياسيين من قبل القاضي صوان، أصدرت محكمة التمييز الجزائية «قرار العار» بموافقتها على طلب نقل دعوى تفجير مرفأ بيروت من القاضي صوان «للارتياب المشروع».

بهذه البساطة الوقحة، تمّ القضاء على التحقيق وعلى أي أمل ببعض من العدالة لضحايا انفجار المرفأ. بهذه الوقاحة، أعلنت محكمة التمييز الجزائية أن حصانة بعض اللصوص أهم من أي عدالة أو حقيقة. وبهذه القذارة، قرّر القضاة جمال الحجّار وإيفون بو لحود أنّ ما من قضاء في لبنان بعد اليوم، بل مجرّد تجمّع لحرّاس النظام يرتدون روبًا أسود. في قوائم العار التي ستكتب يومًا ما عن هذه المرحلة، لنتذكر هذين الاسمين جيدًا:

جمال الحجّار
إيفون بو لحود


بيد أنّ مرافعتهما التافهة قد تكون قد أدخلت سابقة قانونية يمكن البناء عليها: «الارتياب المشروع».

فإذا كان الشكّ بحيادية القاضي صوّان نابعاً من قوله إنّ ما من حصانات أو من امتلاكه لمنزل تضرّر، فقرار كهذا يبرّر «الارتياب المشروع» من القضاء ككل، وبالتالي يبرّر إمّا عزل أولئك القضاة أو حتى عدم الامتثال لأي من قرارات القضاء.

فهو ارتياب مشروع من قضاء ينظر بدعوى قدّمها مسؤول ميليشيا «أمن الدولة»، طوني صليبا بحق المسرحي زياد عيتاني بتهمة «المسّ بهيبة الدولة» بعد أن ثبت أن هذا الجهاز فبرك القضية له.
وهو ارتيابٌ مشروع من أجهزة أمنية فبركت الملفات وفشلت بإتمام أي تحقيق، وهي نفسها مطالبة اليوم بالتحقيق باغتيال لقمان سليم.
وهو ارتياب مشروع تجاه كل من يطلب منّا انتظار التحقيق أو التوجه إلى القضاء أو البقاء ضمن حدود المؤسسات القائمة.


الارتياب المشروع هو الترجمة القضائية لسقوط شرعية هذا النظام، إن كنّا نحتاج فعلاً إلى مبرّر قانوني لما نعرفه جيدًا.

فكيف يمكن أخذ مشاوير الحريري إلى بعبدا على محمل الجدّ، أو تسريبات القصر الجمهوري أو مؤتمرات باسيل، إلّا من خلال «الارتياب المشروع» تجاه ما بات مجرّد معركة من هو أكبر ذكر في نادي رجال السياسة التي تخاض على أنقاض البلاد؟

وكيف يمكن التعاطي مع ألاعيب رياض السلامة الذي بات يحاول سرقة الدولار حتى من مساعدات العائلات الفقيرة من أجل تعويم موقعه المالي، ليصبح بلا منازع الحاكم الذي شهد على أكبر عملية نهب بتاريخ البلاد، إلّا من خلال «الارتياب المشروع»؟

كيف يمكن التعاطي معهم إلّا من خلال الارتياب المشروع؟


لن نحتاج إلى قرار قضائي لنؤكد ارتيابنا المشروع من هذا النظام. ولن يكن هناك قرار قضائي ليترجم ارتيابنا المشروع هذا. فما من عدالة قانونية أو سياسية قد تشكّل خلاصةً لهذه الحالة العامة من الارتياب. هذه خلاصة قرار محكمة التمييز الجزائية.

لم نعد نبحث عن حقيقة بعد اليوم. الحقيقة باتت معروفة. فالسؤال هو عن كيفية العيش مع هذه الحقائق المرّة، سواء كانت حقيقة انفجار المرفأ أو عملية النهب المنهجية أو الاغتيالات أو الحروب. ليس من عدّاد يفصلنا عن حقيقة منتظرة، بل وقت طويل للبحث عن طرق أخرى لتسييس هذه الحقائق، طرق لن تمرّ بالقضاء. وربّما كل ما يمكن فعله اليوم هو التذكير مراراً بهذين الإسمين، إسمَيْ قضاة العار، اللذين جاءا ليقولا لنا إنّ حصانة اللصوص أهمّ من عدالة مئات الضحايا.
لنتذكّر هذين الإسمين:

جمال الحجّار
إيفون بو لحود


الشحار

ما هو مؤرَّخ عن الكلمة هو أنّه في عاداتنا السابقة في المآتم، حين يموت شخص عزيز، يقوم الأقارب والأهل بوضع فحم أسود على وجوههم ليتشحّروا حزناً على الفقيد، وهذا هو أصل الكلمة الحقيقي

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان

أَدْركَ لا بل تذكَّر أنّه حيوان سياسي. وأنّ لا حياة له خارج السياسة. وتذكّر أيضاً النعيمَ الذي كان يعيش فيه سابقاً، حين لم تكن السياسة تهديداً مُستمرّاً بالفناء، فكان يقدر على نسيانها لبعض مِن الوقت: كان لديه آنذاك حيِّز خاصّ به، عالمه الحميم الذي لا تقتحمه السياسة