قطع رأس الملك

لمن لا يعلم ذلك: إنّ الهدفَ النهائي لأيّ ثورةٍ هو قطعُ رأسِ المَلِك.
قد يكون المَلِكُ شخصاً واحداً يحتكر السلطة، أو نظاماً سياسيّاً واقتصاديّاً مُمَثَّلاً بمئاتٍ مِن الأشخاص، أو طبقة اجتماعيّة برمّتها؛ وقد يُقْطَع الرأسُ إمّا حرفيّاً، بواسطة مقصلة مثلاً، وإمّا مجازيّاً، عن طريق النفي أو الزَجّ في السجون؛ وقد تنجح الثورة، جزئيّاً أو حتّى كليّاً، من دون تحقيق هدفها النهائي، إذ قد يستطيع الملكُ الفرارَ، أو قد ترضى الثورةُ بضمانِ سلامته وبعدم الاقتصاص منه مقابل تَنَحِّيه؛ لكن يبقى أنّ لا ثورةَ تقوم من دون تهديدٍ، صريحٍ أو مُضْمَرٍ، بقطعِ رأسِ مَن يتربَّعُ على العرش. ذلك أنّ لا شيء يُرغم ملكاً على الانتحار السياسي، سوى ترهيبه بأذىً أفدحَ قد يطالُ جسدَه، أو مالَه وممتلكاته.

وبما أنّ الثورةَ، جوهريّاً، محاولةٌ لانتزاع السلطة مِن الطرف الذي تُوَجَّه إليه عموماً مطالبُ الشعبِ، فلا مطالبَ لها باستثناء واحدٍ، هو المطلب السياسيّ الأقصى: رأس الملك. في لبنان، وفي بيروت تحديداً، يبدو أنّ وَهْنَاً شديداً أصاب هذا المطلبَ بعد الأسبوع الأوّل مِن الانتفاضة، فاستُبْدِل سريعاً بآخر هو تشكيل حكومة إنقاذٍ مُستقلّةٍ وذات صلاحيات تشريعية، إلخ.


لمن لا يعلم ذلك: إنّ الدستورَ، بالنسبة لأيّ ثورةٍ، ليس إلّا وَرَقاً لمسح المؤخِّرات.
فالثورة تقوم لإسقاطِ الشرعية عن السلطةِ والنظامِ السياسيَّيْن بسُبُلٍ غير قانونيّة وغير دستوريّة، وبُغْية صياغة عقدٍ اجتماعي جديد يَستمِدّ منه النظامُ والسلطةُ الجديدان شرعيَّتَهما. بمعنى آخر، الثورةُ محاولةٌ لإسقاطِ الدولةِ واحتكارِها للعنف المشروع. لذا، هي تَعْتَبِر كلَّ عنفٍ، طفيفاً كان أم دمويّاً، تُمارسه عليها الدولةُ، عنفاً غير قانوني وغير شرعي، فتواجهه الثورةُ بما تَيَسَّرَ لها من وسائل، سلميّةً كانت أم عُنفيّة، تراها مُناسبة للظرف الراهن وموازين القوى القائمة.

وبما أنّ الثورةَ، جوهريّاً، خروجٌ مُؤقَّتٌ عن القانون مِن أجل إحلال قانونٍ جديد، فهي، تالياً، خروجٌ مُؤقَّتٌ عن الحضاريّة أيضاً. في لبنان، يبدو أنّ الانتفاضةَ هُذِّبَت بعد أيّام قليلة مِن انطلاقها، وذلك أقلّه على نحْوَيْن: هُذِّبَت كلاميّاً مِن خلال مُمارسةِ رقابةٍ، ذاتيّة وخارجية، على الشتائم بُغية اختلاق مسخٍ اسمه «ثورة حضاريّة»؛ وهُذِّبَت «دستوريّاً» مِن خلال حرف مسارِها وطاقتِها نحو المُطالبة بتغييرات تحصل وفقاً للقانون والدستور، إلخ.

لمن لا يعلم ذلك: إنّ أيَّ ثورةٍ هي تعبيرٌ عن صراعٍ حادٍّ حول كيفيّة توزيع الثروات في مجتمع ما.
وحتّى عندما يثور شعبٌ على طاغيةٍ نتيجة جَوْره، يكون ذلك في فتراتٍ تشتدُّ فيها وطأةُ الفقرِ (أو الضرائب، أو الديون، إلخ). لذا، وعلى نحوٍ تبسيطيّ، فإنّ أحدَ الأهداف الرئيسة للثورة «سرقةُ» أموالِ مَن يَعْتَبِر الشعبُ أنّ لا حقّ لهم في امتلاكِها ومُراكمتِها. ولا يتحقَّق الهدَفُ هذا كليّاً إلا بواسطة تغييرٍ جذريّ في البُنيّة والعلاقات الاقتصادية – الاجتماعية، وهو تغيير يكون أثرهُ الأكبرُ استفادةَ طبقةٍ اجتماعيةٍ على حساب طبقةٍ أخرى لا مفرّ مِن أن يلحق بها ضَرَرٌ جسيم.

وبما أنّ الثورةَ، جوهريّاً، محاولةٌ لإعادة توزيع الثروات، أيّ «سرقة» السارق و«نهب» الناهب، فهي مُهدَّدةٌ بالفشل، جزئيّاً أو حتّى كُليّاً، إنْ سعَتْ إلى مُجرَّد إصلاح البنية الاقتصادية القائمة، ولو على نحوٍ واسع. في لبنان، يبدو أنّ الطروحات الاقتصاديّة الإصلاحويّة، والمُهادِنة إلى حدٍّ ما للمصارف (أي السارق الذي تنبغي «سرقتُه»)، أخذت تطغى شيئاً فشيئاً على الانتفاضة بعد أسبوعٍ مِن انطلاقها، إلخ.

الثورةُ ظاهرةٌ نادرةٌ، إذ يَصْعُب تحقُّق شروطها. والثورة تفشل غالباً، إذ هي تطلب المستحيل. وثورتنا اللبنانية ليست ثورةً بَعْدُ، إذ لا تزال انتفاضة فقط. غير أنّ وقود الثورة ليس الأمل، وإنمّا اليأس. فكما كتب وسام سعادة على فيسبوك: «الذين ينتحرون يأساً يشفوننا من أسوأ مرضٍ معادٍ للثورة: الأمل. هيا بنا نحارب الأمل. كلّ السلطة لليأس المُحَرِّر».

وحده اليائس يَمْلِك الجرأةَ اللازمة لمحاولة قطع رأس المَلِك.

لبنان لا يمرّ بأزمة

إغراق البلد بسياساتٍ تقشّفية الدَّيْن العام كممرّ إلى الجنّة بعفوٍ عام وأرباح كلّ ما تمثّله الحريرية الزعيم السنّي الضعيف والمطياع لم يسعَ لقلب النظام الاقتصادي يشنّون حرباً هرّبت ودائع مالكيها لا تعمل عند الصينيّين أو الأميركان

أقنعة الثورة

قرّر العهد أن يضحّي بجبران الإدارة الأميركية لا تمانع مساعدات خارجية ستأتي المصارف قادرة على مقاومة فرضتها على المودعين الصغار شعور عامّ بضرورة التصعيد طالبت الثورة بحكومة مستقلّة استهداف المصارف بطرق أكثر فعالية؟ ألف وقناع وقناع