كان يعلم، كان يكذب

– فخامة الرئيس بيقول إنّو التقرير اللي وصله من أمن الدولة حوّلك ياه، حَوَّله للمجلس الأعلى للدفاع.
– مش أنا المجلس الأعلى للدفاع. المجلس الأعلى للدفاع معروف مين هوّي المجلس الأعلى للدفاع. أنا الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع.
– طيب حضرتك الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع. مش حضرتك المسؤول عن المجلس الأعلى للدفاع؟
– لا بالعكس، مش أنا…

هذا جزء من الحوار الذي دار بين الإعلامي جورج صليبي والأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء الركن محمود الأسمر ليل الأحد على قناة «الجديد». ويبدو أنّ صليبي أخذ الأسمر على حين غرّة بفتحه ملفّ انفجار المرفأ في مداخلةٍ هي بالأصل عن الكورونا والإقفال التامّ. لكنّ المحاوِر «سرق» قرابة خمس دقائق حول انفجار المرفأ، اكتشفنا خلالها عدداً من الأمور، وتأكّدنا من معلومات سبق أن كانت معروفة:

أوّلاً، كان يعلم
يؤكّد الأسمر أنّ موضوع نترات الأمونيوم لم يُبحَث في المجلس الأعلى للدفاع قبل انفجار 4 آب، رغم معرفة ثلاثة أعضاء من المجلس على الأقلّ بوجود نترات الأمونيوم في المرفأ. فالأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع، مثله مثل رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة، كان يعلم. فقد وصل إلى الأمانة العامّة للمجلس، عبر البريد، تقرير جهاز «أمن الدولة» حول وجود نترات الأمونيوم في المرفأ قبل أسبوعين من الانفجار. لكن لم يجد أحد منهم ضرورةً لعقد جلسة للمجلس الأعلى للدفاع.

ثانياً، كان موظّفاً
تحجّج اللواء الأسمر خلال الحوار بأنّ القضايا التي تستوجب دعوة المجلس الأعلى للدفاع للاجتماع يقرّرها رئيس المجلس الأعلى، أي رئيس الجمهوريّة. ورغم خطورة الملف، ارتضى الأمين العام بأن يلتزم بدوره المقتصِر على تبليغ الأعضاء بمواعيد الجلسات التي يقرّرها رئيس الجمهورية. يقول الأسمر إنّه ما مِن جدول أعمال مسبَق للمجلس الأعلى للدفاع، وأنّ اجتماعات المجلس تتمّ بناءً على تبلّغه من المدير العام للقصر الجمهوري قرار عقد الاجتماع والقضية التي تستوجب عقده، وهذا ما لم يحصل في قضية نترات الأمونيوم.

ثالثاً، كان يكذب
سبق لرئيس الجمهوريّة أن أقرّ بعلمه بتقرير نترات الأمونيوم، لكنّه برّر الأمر مدّعياً أنّه عمل بموجب صلاحيّاته، وأحال الموضوع إلى المجلس الأعلى للدفاع. وبكلام أدقّ، قال رئيس الجمهورية إنّ الـÉtat-major للأعمال العسكريّة اتّصل بالأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع وتحدّث معه قبل أن يتّفقا على إرسال الملف إلى «المعنيّين بالأمر». ثمّ عاد موقع الرئاسة على تويتر وأكّد قيام المستشار العسكري لفخامته بإعلام الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع في رئاسة مجلس الوزراء بهذا التقرير لإجراء اللازم.
لكن، بحسب ما يقوله الأسمر في المقابلة، فإنّه عرف بالتقرير من «أمن الدولة» وليس من رئاسة الجمهوريّة.
أضف إلى ذلك أنّ الأسمر لم يأتِ على ذكر أيّ اتّصال به من القصر الجمهوري حول قضية نترات الأمونيوم، رغم إلحاح الأسئلة، ممّا يرجّح أنّ ذلك الاتصال لم يتمّ من أساسه، وهو مجرّد «فتوى» ابتدعتها دوائر القصر لتبرير تقاعس رئيس الجمهوريّة.

لكن حتّى لو صدّقنا الرئاسة، لماذا يتّصل مستشار عون بالأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع إن لم يشأ إبلاغه بضرورة عقد جلسة للمجلس، خصوصاً وأنّ رئيس الجمهورية هو نفسه رئيس المجلس الأعلى للدفاع، وهو من يقرّر عقد الاجتماعات والقضية التي يستوجب بحثها؟
وإن كان عون أو مستشاره العسكريّ قد أساء تقدير خطورة الملف، فلماذا لم يدعُ الأسمر أو رئيس الحكومة لاجتماع المجلس الأعلى للدفاع، علماً أنّ قانون المجلس يتيح عقد اجتماع للمجلس بطلب من ثلث الأعضاء؟


سنفترض حسن النيّة ونصدّق كلّ ما قاله عون والأسمر، رغم التناقض بينهما، فنكتشف أنّنا في جمهوريّة سُعاة بريد يحيلون الملفّ من دائرة إلى أخرى. أمّا الحاكم الفعليّ، فليس إلا نترات الأمونيوم نفسه. أنظروا إليه كيف أشعل المدينة ومضى، كسحابة صيفٍ لم تعبُر، من بيروت إلى حلب.