كسمّو: تحليلٌ مقتضب

شكّلت «الهيلا هيلا هو جبران باسيل كسمه» أوّل الهتافات العفوية للثورة. فكانت أكثرها هضامة وأقلّها أدباً. وخلقت لدى البعض، بمن في ذلك المتظاهرون أنفسهم، جدلاً تطوّر من اعتبارها إهانةً شخصية لا محلّ لها في حراك شعبي، إلى إعطائها أبعاداً فرويدية مقلقة.

لماذا كلّ هذا الانفعال (المزيَّف في غالبيّته) تجاه هذه الشتيمة؟ خصوصاً وأنّنا نعرف منذ أيّام أرسطو أنّ الشتيمة هي من الأكسسوارات الأساسية للنقاش السياسي، كونه نقاشاً عاطفياً بطبيعته. لعلّ السؤال الأجدى طرحه، والذي يتفاداه «المُهان»، هو: لماذا من الطبيعي أن يشتم الشعب أهل السلطة؟

يكمن الجواب في السؤال نفسه. فلطالما حرصت السلطة على طابعها «الأهلي» للحفاظ على علاقة شخصية مع «أبناء الوطن». فحصلنا على أب بدلاً من رئيس جمهورية، وابن شهيد أو أخ بدلاً من رئيس حكومة، وأستاذ بدلاً من رئيس برلمان، وصهر بدلاً من وزير… فأرسيت علاقة خوشبوشيّة وحميمة على حساب العلاقة الباردة بين دولة القانون ومواطنيها.

فالعلاقة الأولى لا تحكمها الصيغ والقوانين والمؤسسات التي توجبها الثانية. فلا تحدِّدها الاستحقاقات (لا أحد يختار أهله)، ولا المهل (فالأهل أهلٌ مدى الحياة). لا رقابة فيها على نفوذ المسؤول لتُوجّهَه نحو المصلحة العامة، ولتمنع أهل السلطة من المتاجرة بالمصالح الشخصية.

فللزبائنية «personal touch» لا تؤمّنها المواطنية: «شو بدّك بهالشغلة؛ تقدّم طلب لهيئة مدري مين وتدفع ضرايب مدري شو، وتنطر بالدور مدري وين وكل هالطق الحنك… إنت لإلنا، ونحن ويّاك غير شكل… إنت خلّيني بهيدا المركز وأنا بزبطلك ايّاها». يستحقّ منطق كهذا شتيمة.
صحيحٌ أنّ كلّ الحملات التسويقية التي اعتمدها أهل السلطة في تجارتهم تشابهت بمكوّناتها المذهبية والعقائدية والتعصّبية، إلّا أنّ حملة أب الكل وصهره تميّزت بطابع عنصري فاشي، ركّز على استثنائية فارغة لأقلية أسطورية مهدّدة، لا حول لها ولا قوّة إلّا بالاكتتاب في مؤسسة الأب وأولاده.

ليست الثورة ولا الشتائم ما جعل الأمور تأخذ منحىً شخصياً، بل سماسرة السلطة الذين أرسوا نظاماً زبائنياً، قبل أن يتظاهروا بالعفّة والشعور بالإهانة من الشتيمة. هذه الشتيمة هي كلّ ما تبقّى لنا بعدما حوّلوا دولتنا متجراً. لكن حين يستعيد الشعب سيادته ومؤسسات دولته، التدقيقية منها بشكل خاص، سيترحّم أهل السلطة على أيّام الهيلا هيلا هو.

خطر الانزلاق

«جرّ» البلاد نحو الهاوية ألم يحثّنا السيّد حرمنا من أيّ عدالة انتقالية شعاراً يمدّد حربنا الأهلية كانت حربنا الأهلية مليئةً بالخيارات هناك من يختار إرسال زعرانه قرار سياسيّ مدروس ومُحكَم لا يملكون أسلحةً أو صواريخ

خيارات السُّلطة

سقطت شرعية المجلس سقطت التسوية الرئاسية سقطت الحاضنة الإقليمية السلطة في حلّتها «الممانعجية» حكومة تكنوقراط بلا طعمة امتدادًا لسياسة الابتزاز إصلاحيّي «الحراك الصادق» أي منطق الابتزاز