كلامٌ خفيف عن شرٍّ عظيم

في خطاب استمرّ لساعة و31 دقيقة، خصّص الأمين العام لحزب الله، السيّد حسن نصر الله، المساحة العظمى من الوقت ليؤكّد أنّ الولايات المتّحدة تحتكر صناعة الشرّ في المنطقة، ثم خصّص بضع دقائق أو أقلّ لطرح اقتراحات يمكن لـ«كل شعوب المنطقة» اعتمادها في مواجهة كلّ هذا الشرّ.
وإذا اختار المرء الاستقالة من نقاش «الشرّ الأعظم» وما إذا كان في الأساس شيئاً موجوداً فعلاً، فمن الصعب تجاهل الغرابة في خروج نصر الله بكلامٍ بدا وكأنّه لا يعرف موضوعه أو ليس متمكّناً منه؛ والموضوع هنا هو المقاطعة.
فالاقتراح العمليّ الأوّل الذي رماه نصر الله في طريق «كلّ شعوب المنطقة» لمواجهة «الشرّ الأعظم» هو: لماذا لا نلجأ إلى مقاطعة البضائع الأميركية؟ هذا جزء من المعركة (…). بحال كنّا لا نريد مقاطعة كل البضائع فنختار بعض الشركات (…) إن الذهاب إلى عمل جادّ في مقاطعة البضائع الأميركية أمر سهل. هكذا وردت المقاطعة على لسان «سيّد المقاومة»، وهو لا يجهل أن المقاطعة هي نهجٌ في المقاومة يمتلك تاريخاً وتراكماً يجب أن يراجعه كل من يبادر نحوها، فلا يستقيم رميه هكذا كلمبةٍ أضاءت بعد ظهر يومٍ غائم.


المقاطعة بشكل عام هي حركة تتطلّب جهداً جبّاراً، ومقاطعة «أميركا» بشكل خاص شديدة الصعوبة، لا بل أصعب من قتالها. وأميركا تعرف ذلك. حتى أنّ دونالد ترمب قرّر نقل «المعركة» من ميدان «رجال الله» إلى العقوبات الاقتصادية. وربما لذلك، أضاءت لمبة المقاطعة الاقتصادية في خطابٍ أراد لنفسه أن يبدو مبادراً ومبتكراً، لكنه في الواقع مجرد ردّ فعلٍ على عدوّه وغير متمكّن من مضمونه.
لم تأتِ المقاطعة التي أوجعت اسرائيل من «كل شعوب المنطقة»، ولا من شعب هنا، رغم كلّ المحاولات. لقد أتى الأذى من شتات فلسطين وداعميها وداعميهم/ن في أوروبا وأميركا بشكل خاص. وهذه المقاطعة المؤذية، التي تُعرف باسم «بي. دي. أس»، وتتّخذ إسرائيل وسواها إجراءات ضدّ ممارسيها والداعمين/ات لها، نجحت في تشكيل هذا الضغط لأن نقاشاً حرّاً وحراكاً عالمياً سبقها وواكبها وبدّل بها. ويأتي في مستهلّ هذا الجهد تحديد أيّ ضررٍ نودّ إحداثه لتحديد البضائع الواجب مقاطعتها. فنقاش الضرر ووسيلة إحداثه والغاية منه محوريّ في سياق أي مقاطعة. بغير ذلك، ما الذي تعنيه «مقاطعة أميركا»؟

أوّلاً،
في مواجهة إسرائيل، حدّدنا الشركات العالمية التي تدعم الاقتصاد الحربي الإسرائيلي تحديداً (نستله، مثلاً). وتمّ تحديد البضائع والمؤسّسات المرتبطة بالجيش الذي يرتكب الانتهاكات (بما فيها الجامعات). وتوسّعت المقاطعة مع اتّساع نقاشات حادّة وحرّة وواسعة ومستمرّة كحملة دعم لفلسطين، ولم يكن سقفها يوماً استبدال منتج بآخر.
في مواجهة الولايات المتحدة، ماذا تريدنا أن نقاطع؟ الشركات التي تدعم القرار بمعاقبة إيران اقتصادياً؟ ولماذا؟ أو الشركات الأميركية التي تدعم الجيش الأميركي؟ وكيف؟ ألا يتموّل الجيش من ضرائب كلّ الأميركيين/ات؟ كيف نحدّد أطر هذه المقاطعة؟ ناهيك عن مدى الحرية في الفضاء الموبوء الذي نعيش به لخوض نقاشٍ حرّ حول الموضوع من دون أن يتعرّض أحدنا لأذى جسدي أو اتهام بالعمالة.

ثانياً،
الدولة اللبنانية التي كان حضور «حزب الله» حاسماً في إعادة بنائها منذ 1990، توقّفت تقريباً عن الإنتاج منذ عقود. أنتجتُم دولةً لا تُنتج أي شيء يخوّلها الاستغناء عن أيّ أحد. وللولايات المتحدة مالٌ «حيويّ وقويّ» في كافة أرجاء الدولة اللبنانية، بما في ذلك أبرز مؤسّساتها السياديّة. كيف نقاطع أميركا بينما تقتات الدولة على فتاتها؟ وهل نستعيض عن أميركا ببضائع الصين، تركيا، مصر، السعودية، فرنسا… ومعظم الجهات المورّدة إمّا تؤيّد أميركا وإمّا سبق لصاحب الخطاب أن صنّفها في خانة «الشرّ»؟



لا شكّ أن نصر الله استحضر المقاطعة من باب «إلتهوا بشي يفيدنا» أو ملء الفراغ بخطابات هوائية، في خفّةٍ قلّما تظهر في الطرح إن اتفق المرء معه أو اختلف. وهذا دليل ضعفٍ وتشتُّت لا عافية أو ابتكار، مهما أصرّ خطابياً على أنّ كلّ مصيبة يُمنى بها حلفه إنّما تزيده قوّة. وهذه الخفّة لا تخدم نهج مقاومة الاحتلال والاستعمار ولا نهج المقاطعة والتصدّي الاقتصادي. وكلاهما لم يبدآ مع حزب الله وإيران، ولدى «كلّ شعوب المنطقة» مصلحة في استمرارهما بعافية وحيوية وقوّة فعلية بعد صعود إيران وهبوطها، بعد صعود حزب الله وهبوطه.