كي لا يعتذر كريم مرّةً أخرى

لا معلومة أخرى عنه سوى اسمه: كريم. كأنّ اسمه من ذاك النوع المُبهَم. لا يدلّ على شيء. مثل تلك الأسماء التي يطلقها الروائيون اللبنانيون على شخصياتهم، تهرّباً من وصمها بطائفة أو مذهب.

كريم، اسم عرف رواجاً بين أهل طرابلس منذ بداية التسعينيات أسوةً بأسماء كآدم وفراس وجاد، بعدما تحرّرت المدينة قليلاً من أسماء جيل الأجداد، كمدحت وجودت وعصمت، أو أسماء أبطال قوميين أو شيوعيين، كعربي وعرفات وناصر وغيفارا. هذه المدينة التي بدّلت معاجم أسماء أولادها وفق المراحل السياسية المفصلية. راج اسم بشار طويلاً بعد وصوله إلى الحكم في سوريا، واسم حسن بعد تحرير الجنوب، واسم رفيق بعد اغتيال رفيق الحريري، واسم سعد بعد ترؤّسه تيار المستقبل، وربما فاخر كثيرون بإطلاق أسماء طغاة على أولادهم كصدّام.

لكنّ كريم، الذي هو في لسان العرب صفة تعبّر عن الكرم والجود، لا دلالة سياسية لاسمه هنا، وربما بقي مشهد هذا الشاب معتذراً أشبه بهويته اليوم واسماً له. بدا مجبراً بالإكراه على الاعتذار، ليس لفعل سرقة أو نشل أو ضرب أو قتل، بل كانت تهمته الوحيدة أنه شتم زعيماً سياسياً هو نسخة مطوّرة من الطغاة العرب، ومساهم في قمع الثورة السورية، ويزجّ بشبّيحته لضرب المتظاهرين/ات في بيروت.

لكنّ كريم الذي شاهده الآلاف عبر تطبيقات السوشال ميديا يصدح بصوت عالٍ ومن دون وجل، مثل أصوات مغنّي الأشرطة الشعبية في «الفانات»: الله، الله يا الله، يلعن حسن نصرالله، شاهده الآلاف أيضاً مطأطأ الرأس. يعتذر ممّن ساهم في قتل الشعب السوري وصاحب «غزوة بيروت» في 7 أيار، والحاكم اليوم بأمره في لبنان، وممثل ولاية الفقيه الإيرانية فيه. بدا خائفاً ومتذللاً. كأن هدف هذه السلطة، بما تمثّله في شخص نصرالله، أن ترى شباب لبنان هكذا. مكسورين ومحطّمين. لا بل يملأهم الرعب والخوف من وطأة هذا الرجل الشبح الذي لا نراه إلا عبر الشاشات موزِّعاً علينا أدبياته ومهدِّداً إيانا بإصبعه. كأنه يقول لنا: «أنا ربّكم الأعلى».

كانت هذه «الردّية» كافية للمصطادين في الماء العكر. انتظروها منذ بداية الثورة كي تقال. لم يعجبهم أن تتحوّل الأنظار الى المدينة المقهورة، على مدى أسبوعين، متحرٍّرة من كل المسمّيات والأوصاف. فعاودوا التشكيك بأهلها وبخطابهم وسلميّتهم. كأنّ المطلوب هو تقديم أنفسنا بلغتهم وضمن حدودها. وكأنّ حسن نصر الله إله ولا يجوز شتمه. لا بل زاد البعض من كيديّتهم واعتبروا هذا الغناء على طريقة نعيم الشيخ، أشبه بحرب مذهبية ضد الشيعة. وهل فعلاً سنختصر الشيعة بشخص حسن نصر الله؟ وهل شعارات الشباب من ساحة النور (الثورة) لأهلهم في النبطية وبعلبك والضاحية لم تُسمَع؟


خاف كريم، أو لنقل تمّ تخويفه. جلس الشاب الذي يقدَّر أنه لم يتجاوز العشرين من عمره، قرب والده. وعبر فيديو رديء الصورة والصوت، اعتذر بصوت متخثّر ومجروح، من رجل نثور عليه. ومن ضرورات ثورتنا أن نشتمه ونشتم حزبه وسياسات حزبه، كما نشتم كل هذه الطبقة الفاسدة التي يحميها نصر الله بتهديداته المبطّنة والمعلنة: لا تنسوا بروفات سبعة أيار.

ما قاله كريم وتراجع عنه يمثّلنا في هذه الثورة. نحن لا نخاف من حسن نصر الله: كلن يعني كلن، ونصر الله واحد منن.

حسابنا طال يا بيروت

أكفّر عن ذنبي بأنني لست هناك بتدمير بيتي في الضاحية حين قرّرتُ أن أعود للعيش في بيروت كرهتُ بيروت، قاطعتُها، واختبأتُ في الغربة نداءات المدن كأس حزب فديتُه يوماً ببيتي، فهجّر غيري في سوريا

دفاعاً عن الشتيمة

«محنًا» لغويًا ستستعيد اللهجة اللبنانية مكانتها لتزعزع مركزية اللهجة تخفّ النزعة الفكتوريّة رغم أنف الإعلام هي عربيّة أصيلة وفصيحة ألا نتجاهل الذكورية السخرية اللاذعة الجاحظ الذي قال