لا تُعطونا الطفولة

في العام 1984 وقفت ريمي بندلي في القصر الجمهوري على مقعد خشبي يرفعها إلى مستوى طول جوقة الأطفال الأكبر سنّاً من خلفها. أمام أمين الجميّل ورهط من البلاط اللبناني حينها، غنّت ريمي الأسطورة: اعطونا الطفولة. وهكذا كان. أعطتنا الجمهورية، نحن الشعب المحكوم، طفولة أبديةً.

نظنّ الآن أنّنا معزولون في بيوتنا أفراداً أو مع عوائلنا. ولكننا بضعة أطفال يلاعبون بعضهم بعضاً بخشونة بريئة، في منزل القبيلة مع آباء ليسوا آباءنا. كلّما اشتدّ الخطر الداهم، ترفع القبيلة من فعاليات أبوّتها التربوية وتعمّق فرزها بين الطفل المعجزة، والبطّة السوداء. 

للوعي البشريّ قطبة خفيّة أدركت الأيديولوجيات سطوتها منذ زمن بعيد: المجاز جزءٌ كبير من روافد الواقع. اسألوا غوبلز عن «الجرذان».

كلّما ضاقت حركتنا إلى حدود غرفنا، زادت السلطات على أنواعها خصخصة الخطاب العام وتضييقه إلى منطق الغرف وأخلاقيات «العائلة الكبيرة». لمَ نحتاج ترف المؤسسات والقوانين والعدالة والثورة، وفوق رؤوسنا قوافل من الآباء اللابيولوجيّين يشدّون آذاننا للتوبيخ؟ وإذا أعدنا الخطأ، نحن الأطفال القاصرين حتى عن الأكل بأيدينا، فعقابُنا العزل إلى خارج القبيلة، إلى فضاء الوباء.


لم تلفتني في خطاب الامين العام لحزب الله ملابسات موقفه من مجريات قضية العميل جزّار الخيام، بقدر ما لفتني توظيفه المسألة في سياق الخصخصة القبليّة هذه. فبعدما كان قد خوّلنا حتى شتيمته في أوائل خطابات الثورة، أصبح اليوم يدعو البيئة إلى ممارسة الحجر الاجتماعي على كلّ من تصدر عنه إهانة. ولا يتوقف عند ذلك، بل يضيف التشكيك إلى الأسباب المسوّغة لهذا الحجر!

لكنّ التناقض يتفجّر حين يقوم الأمين العام بتقريعنا كمجتمع سخيف بتهمة الطائفية في التعامل مع الكورونا، حتى أنّنا قد لا نرقى إلى المستوى البشري. فهل يتنصّل الحزب من مسؤوليّته في طوأفة المجتمع؟ كيف يمكن ذلك وهو يشرح في الخطاب نفسه للصديق المفترض قبل العدو خريطة الانتماء لـالبيئة وشروطه وأحكام الردّة عنه؟

من وعظ أخاه سرّاً فقد زانه ومن وعظه علانيّةً فقد شانه

يُنسب هذا الحديث الذي اقتبسه الأمين العام إلى مصادر تتعدّد بحسب المرجع والمذهب (الإمام علي، الإمام العسكري، الإمام الشافعي)، ومن الواضح عقلاً أن هذا الميزان قد يستوي في الخاص إلا أنه لا يستقيم في المجال العام حيث لا يتماشى حتى مع الكثير من المنقولات المحمدية والعلوية والنصوص القرآنية.

يتّخذ الحديث معناه في أدب المعاشرة، في الجلسات الخاصة، ولكن أي معنى له في السياق السياسي العام؟ في سياق المصلحة الجماعية؟ كيف تفهمه الصحافة مثلاً؟ وإذا كان له من معنىٍ، فهل يحقّ تطبيقه حصراً من طرف واحد؟ لا هي ليست «أخوّة»، فتلك معادلة نديّة متوازية، بل هيّ أبوّة ومن نوع خاص.


التنصّل ذاته تمارسه وسائل الإعلام مثلاً في مخاطبتها الطفل الأبديّ فينا… عقود من الاحتكار العدائي للثقافة، عقود من التجهيل والتسويق، عقود من ممالقة المعتقدات السحرية والفساد السياسي. عقود ينفضها آباء الشاشة عن أكتاف مسؤوليّتهم: شعب بلا مخ.

إذن أطفال نحن، ولكننا المسؤولون أيضاً عن سوء تربيتنا. وهنا يكمن زيف هذه الأبوّة: تخصيص السلطة وتعميم المسؤولية. أبوّة المصارف التي «تتبرّع» لشفائنا بفتات ما نهبته منّا. أبوّة الأمن الذي كان يخنقنا بالغازات السامّة منذ أسابيع، والآن يستثمر احتكاره العنف لـ«حمايتنا» من أنفسنا كي لا نختنق بالفيروس. 


لقد غنّت ريمي بندلي وقبل أن يحملها أمين الجميّل بين ذراعيه في ذلك اليوم الثمانيناتي- قبل أن يحمل ما حمله من أموال البلاد أيضاً- غنّت النشيد الأنتي-أوديبي الخالد بـ3 لغات، وكلّ مرة تأتي الترجمة مختلفة. بالعربية: أعطونا الطفولة. بالفرنسية: أنقذوا الطفولة. بالإنكليزية: أعطونا فرصة. وما هذا الاختلاف الثلاثي، سوى تعبير صارخ عن تسلسل الأبوّات التي من المفترض بنا أن نتوسّلها، محلياً وعالمياً.

على طرف النقيض من هذه الطفولة الممدّدة والأبوّة القبليّة المزيّفة، يقف وعينا الراشد الذي نرجوه بأنفسنا في مواجهتنا الصريحة لواقعنا ونقول: إنما نحن أيتام فتّت الاستعمار ومعه أمراء الطوائف أنماط علاقاتنا الجماعية. 

لن نجد الطمأنينة في عوائلنا البيولوجية ولا الأمن والعدل في قبائلنا الرمزية، بل نتصالح مع أنفسنا ومع أسلافنا الحقيقيين في أن نعيد اختراع تاريخنا لنتصوّر لأنفسنا قوةً ومسؤوليةً ذاتية من وقت الوباء إلى وقت الصدام. 

رحم الله الموسيقي رينيه بندلي، أبا ريمي، الذي جعلها تبقى في أذهاننا طفلةً أبدية.

لا تعطونا الطفولة، لا نريدها.