لا جدوى من 7 أيّار

في خطابه في 19 تشرين الأوّل، أعطى حسن نصر الله ضمانة الاستمرار للعهد. وما تهديده في ذلك الخطاب مَن يفكّر في الخروج عن العهد إلا خير دليل على أنّ خيار القمع والمواجهة اتُّخِذ سلفاً، وأنه خيار مستقلّ تماماً عن مجريات الأسابيع الأخيرة.

أتى ذاك الخطاب في الأيام الأولى للثورة، أيّامها العفوية. ومع ذلك، كان نصر الله صارمًا مع المنتفِضين. كابر عليهم، واستخفّ بآلامهم وإصرارهم وقدرتهم على الصمود. ففي زمن الانتصارات، التنازل مرفوض حتى أمام المطالب الشعبية. التنازل مرفوض مهما كلّف الرفض. ورغم تأكيد نصر الله على أهمية الاستقرار، ترك كلامه عن خطورة الفراغ وعن تداعيات نزول حزب الله إلى الشارع، إن اضطرّ إلى ذلك، مجالاً واسعًا للتصعيد إن لم تنتهِ الحركات الصبيانية التي لن تترك أثراً بالسرعة المتوقَّعة. بعد أيام قليلة، بات واضحًا أنّ الثورة ليست مسألة يوم أو يومين، فبدأ التمهيد لرفع وتيرة القمع وإعداد الحملة المضادة للثورة.

لم تتضمّن حملة حزب الله المضادة أي تنازلات، بل اقتصرت على بعض التضليل الإعلامي والبلطجة. فعملت وسائل الإعلام التابعة لحزب الله وحلفائه على تخوين الثوّار وتحريف مجريات الثورة. وبالتوازي مع ذلك، أرسل نصر الله وحلفاؤه بلطجيّتهم بهدف ترهيب الثوار في جميع «مناطقهم» ومنعهم من ذكر أسمائهم. طبعًا كان الإصرار على منع ذكر اسم نصر الله هو الأعنف والأشدّ. وحين بقيت الناس على إصرارها على شملهم في شعاراتها ضمن كلّن يعني كلّن، وإحراز الانتصار بعد الانتصار، ازدادت وتيرة التصعيد تدريجيًا. فازداد خطاب وسائل الإعلام تحريضًا، وابتعدت عن الواقع أكثر فأكثر، وتفاقمت درجة عنف البلطجية.

لكنّ وتيرة القمع المطلوبة في مرحلة التصعيد تحتاج إلى تبرير، إلى شهداء. وبعدما فشلت محاولة 24 تشرين الثاني لتحصيل الشهداء بفضل غياب أيّ ردّ عنيف من القوى الأمنية والثوار على هجوم البلطجية، عثر حزب الله على شهيدَيْن في اليوم التالي. فحُرِّفت مجريات حادثة الجيّة التي أدّت إلى وفاة مؤسفة، لتتحوّل إلى جريمة قتل مقصودة نجمت عن اعتداءات مليشياوية، بحسب بيان حزب الله.

سيُمعن الحزب في استغلال حادثة الجيّة في حربه على الثورة في الأيام المقبلة. فلم يعُد «الثنائي» يعتبر نفسه مضطرًّا لإخفاء توجيه مواكب الموتوسيكلات. فهذه المواكب صارت تواجه ميليشيات تقتل الناس. أصبح حرق خيم ساحة العلم في صور وترهيب المخيِّمين فيها مسموحاً. وبات فرز الحزب للناس بين مدنيّين من جهة، وقطّاع طُرق من جهة أخرى، ذريعةً لتبرير الكثير من أفعال «مواطنين مستفَزّين» في الأيام المقبلة.


لكنّ تبريرات الحزب لن تقنع هذه المرّة جزءاً كبيراً من مؤيّديه، في ظلّ غياب عنفٍ حقيقيّ مضاد. وكان الحزب قد صدم أصلاً كثيرين مِمّن كانوا مؤيّدين له قبل الثورة، بعدما تبيّن لهم أنّ الحزب شريكٌ عاديّ في السلطة، يتأقلم مع الفساد والطائفية لأنه يفتقد للقوّة المطلوبة لمواجهتهما في بلد «تركيبته هكذا». فبدا الحزب في مظهر الحاكم الفعلي للبلد، والمدافع الأوّل عن الفساد، وأكثر الأحزاب احتياجًا واستغلالاً للطائفية.

لبنان ليس سوريا، ولا يستطيع الحزب في الأيام والأسابيع المقبلة طمر هذه الثورة كما طمرها في سوريا.

حلّه الوحيد هنا هو في النزول إلى الشارع الذي هدّدنا به في خطاب 19 تشرين. ولكنّ جزءاً كبيراً ممّن نزلوا للدفاع عن شرعية السلاح في الماضي، لن ينزلوا للدفاع عن شرعية هذا النظام. هتاف الشعب يريد 7 أيار جديد، يرعبهم، حتى لو كانوا قد برّروا ما جرى حينها.

وحتّى لو لجأ حزب الله في المرحلة المقبلة إلى درجة عنفٍ قريبة لما استخدمه في 7 أيار، وحتّى لو أخاف الثوّار وأعادهم إلى منازلهم، لن يمنح ذلك أيّ شرعيّة للنظام الذي يترأسه، بل عالعكس، سيُنهي التجاهلَ لمسألة شرعية سلاح حزب الله نفسه.

نصر الله فوق الرينغ

مواجهة الساحات لن تنال إجماعاً وطنياً محاكمات الفساد وتشكيلها وفقاً لمشيئة الحزب التحوّلات التي فرضتها الثورة حيويّة وثيقة التفاهم حماية «السلم الأهلي» كلّما أتته أخبار العراق «شارعه» يقف في منطقةٍ رماديّة

8 و14: الهتاف والتهويل

مسؤولان بسبب الانقسام الحادّ دفاعٌ عن الحكم الواحد طرفاً انتصر على الآخر رئيس قويّ بقوّته حدودها مكافحة الفساد خيالٌ يتحوّل فيه هذا الغضب لتخيُّل مستقبل تأبيد الحاضر لتأبيد أسياده