في الاحتجاج: لا حدود فاصلة نتمَتْرَس خلفها

أخذت طبيعة المواجهات المستمرة، بإيقاعات مختلفة منذ 17 تشرين الأول 2019، شكلًا جديدًا بداية الأسبوع المنصرم. إذ نشهد، بالإضافة إلى التظاهرات والاعتصامات المتفرقة مختلفة العناوين والقطاعات، حركة احتجاج تتمحور حول قطع الطرقات كآلية مواجهة مباشرة.

في حين يرى البعض أنّ ذلك لا يقدّم ولا يؤخّر، لا بل يسيء إلى نمط حركة الاحتجاج لأنها تستثير حساسيات الناس ضد بعضها، يرى البعض الآخر في تلك التحرّكات الكيفية الوحيدة التي تمتلكها الطبقات المسحوقة للتعبير عن سخطها ومعاناتها ومآسيها، والسبيل الوحيد للدفاع عن نفسها أمام الإجرام المتمادي بحقها.


من غير الخفيّ أن أصحاب الرأي الأول ينظرون إلى كل ما يجري بعين السلطة. فيضعون كل السياق في محاولة تحقيق طرف حزبي/ طائفي بعض المكاسب المباشرة، إما من خلال الاستمرار بالهيمنة على مناطقه ومحاولة التوسع إلى مناطق جديدة، وإمّا من خلال محاولاته تحقيق بعض المكاسب الإضافية في آلية تشكيل الحكومة، كأن ينال وزيرًا بالزائد أو بالناقص.

لا يمكن لأيّ عاقل أن ينكر محاولات أحزاب السلطة هذه، وأن يستبعدها من المشهد. إلا أنه لا يمكن اختصار المشهد بأكمله بها. فهناك مجموعات تشارك في الشارع بعناوين مختلفة، لا تقف عند السخط من سلوك حزب ما، بل تتعداها لتحمل عناوين أكثر جذرية تمتد من كلن يعني كلن إلى كلهم مشاركين، اللي نهبوا والي غطوا على النهب. وصولًا إلى أبرزها، والتي سادت في احتجاجات الضاحية الجنوبية، والجنوب، والبقاع، وعلى رأسها بيقبضوا بالدولار ومندفع كلنا الثمن وشعبك جوعان يا سيّد، وغيرها الكثير.


لا يعني الكلام السابق أن القوى المذهبية السلطوية في حالة انكفاء، وأن الخطاب الطبقي في أفضل حالاته. بل كل ما يعنيه هو لفت النظر إلى بعض المعطيات التي لا يمكن تجاهلها، ويجب التوقف عندها خلال القراءة.

فمن ناحية، من اللافت جدًا أن شكل الاحتجاجات أخذ طابعًا مختلفًا عما كان سائدًا. فقد بدأت حركة الاحتجاج بالابتعاد عن التمركز في وسط العاصمة بيروت، وأخذت بالاقتراب أكثر، وبشكل كثيف، من الضواحي والمناطق والمحافظات الأخرى. وهي نقطة لم تشهدها حركات الاحتجاج في العقود الأخيرة، حين كانت بيروت تشهد المواجهات الأبرز. بل إن لهذا الأمر دلالاته الخاصة، والتي يمكن وضعها في سياق المواجهة المباشرة مع قوى الأمر الواقع، ولاحقًا مع النواب، وكأن المشكلة صارت داخل البيت الواحد، وكأن شرعية التمثيل على المحك.

من ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن الشارع كان، ولا يزال، مكانًا تعتمده القوى السياسية الطائفية لتصفية حساباتها، وأن كل الأطراف موجودة بشكل مباشر أو غير مباشر فيه، فإن الشارع لم ينتقل، من خلال تكثيف هذا الوجود الحزبي، إلى نقطة تكرّس تحوُّله من حركة احتجاجية الى حركة انقلابية حزبية. بل، وكما توجد أطراف حزبية تحرّك ناسها لتحصيل الامتيازات، أو لتوصيل بعض الرسائل، توجد الكثير من المجموعات المستقلة التي تواجه وتحتج في محاولة للدفاع عن آخر معاقلها المتمثل بوجودها المباشر.


إن توسيع بيكار الفئة الأولى كثيرًا سيمتد حتمًا ليصادر وجود الفئة الثانية، وهو خطاب الانزلاق إلى مصادرات السلطة. أي أنه خطاب يصيب حركة الاحتجاج، ومحاولة قراءتها، في مقتل. فأن لا تنظر بعين الاحتجاج، بل تنظر بعين السلطة، وتحاول اظهار الناس بأكملهم في فلكها، لا يخرجون عن طاعتها إلا حين تسمح هي بذلك، هو إعلان المعاداة المباشرة للفئات المستقلة، للطبقات المسحوقة، وهو تقديم الهدايا المجانية إلى السلطة من خلال كشف ظهور من يعادونها أمام كل محاولاتها لاستغلالهم من جهة، أو القضاء عليهم من جهة أخرى.

هذا بالتحديد ما يصف كل تلك المحاولات التي اضطلع بها من يسيرون في فلك قوى الرابع عشر من آذار، حين حاولوا التصويب على كافة الحركات الاعتراضية داخل بيئة ومناطق نفوذ حزب الله من باب أنها تتحرك بأمر منه، علمًا أن الكلام لا يعكس حقيقة المشهد بأي شكل من الأشكال. بل إن هذه المحاولات هي التي تستخدمها القوى السلطوية، بأكملها، لتخويف الناس من أية محاولة للانفكاك عنها، وبالتالي لإعادة انتاج نفسها وسلطتها.

ففي ذروة الانهيار الحاصل، إن أي مجال لفعل ثوري لا يكون إلا بمزيد من التضامن الشعبي، وبمد الجسور إلى هؤلاء المحتجين. أما الانزلاق إلى خطاب السلطة، وترك الساحة أمام قوى النظام بحجة أنها قوى النظام، وترك المجال أمامها لاستغلال آلام الناس ومآسيها هو استقالة من العمل السياسي، لا بل هو تجيير كلّ ما أنجزه الشارع منذ ما قبل استقالة حكومة الحريري حتى اللحظة. ففي العمل السياسي، ليس هناك فراغ، ولا انكفاء، وليس هناك قسمة حاسمة، أو كيان نقي، وما من حدود فاصلة بين حركات الاحتجاج الشعبية الثورية وبين حركات الاستغلال الحزبية لنتمترس خلفها.

عن تَعَبنا من المشهد

«باخرة الموت»، «سلطة النيترات»، «عهد الأمونيوم»، «تفجير المرفأ»... جمل وعبارات نبتكرها لنحاول من خلالها أن نسوّغ لغةً نتكلم بها عن واقعنا. لكن حتى اللغة فقدت قدرتها على تحريك أي شيء فينا

خوف قوى التغيير من العمل السياسي

أخطاء كثيرةحالة الارتباكالخوفعدم استفادة قوى الاعتراض من أي تقاطعالخطأ نفسه عاد وتكررطهرانيّة الثورةتشويه سموّ وتعالي ورفعة وأخلاقية ونظافة «الثوار»