لبنان كأزمة أبوّة

قيل لنا: هذا أبوكم

ضحكنا قليلاً وبكينا كثيراً.

دارت ردود فعلنا حول الرفض، حول النفي: هذا ليس أبانا.

سخرنا من الطرح لنخلع عن أكتافنا عباءة لا نطيق لمسها. لكنّ الثقب الذي يراد لنا أن نملأه بإسفنجةٍ ميلطت من كثرة الاستخدام حقيقيّ. السدّ وهمي مثير للسخرية، لكنّ الفراغ حقيقيّ، يتربّع ملكاً على هوية الكيان اللبناني وأزمته.


رامبو في الطبيعة

في معمعة السرابات المعولمة، نتسابق يميناً ويساراً حول أحلام تكنوقراطية.

مشهد مبتذل إلى حد ما. حكومة الخيال أوكلت سلطاتها إلى العالم، لكن حكومة البرجوازية لا تزال قائمة.

قالها جاك بولاك في مقال عمره 53 عاماً وهو ينسف ادعاءات سينما جان لوك غودار، ويبيّن من خلال ذلك آليات المحدلة التي تسمى حيناً «حداثة» وحيناً آخر «عولمة» أو «تقدماً». محدلة تفرض نفسها على مشهد التجربة البشرية كسهمٍ عملاق يشير إلى وجهة حصرية ومصير واحد نهائي.

ليس هناك من حداثة صالحة أو باطلة، أو حداثة تكون الابنة الشرعية للديالكتيك من جهة ونسخة كاذبة من جهة أخرى. مفهوم الحداثة في مكانه السليم: على اليمين، ابناً مدللاً للايديولوجيا المسيطرة.

أما اليسار،

عبر تنازعه مع الطبقة الحاكمة على نمطها الاساسي للاستملاك الايديولوجي، يثبت لنا أمراً واحداً هو أنه يقاتل في أرض العدو. لأنه في النهاية، ما الحداثة إلا تلك المطاطية ذاتها، تلك القدرة العظيمة على احتضان كلّ شيء، على تملك كل شيء، على دمج كلّ شيء.

تموّه الايديولوجيا المسيطرة وجودها كما يفعل رامبو وهو يقتّل مئات الفييتناميين في الأدغال. تخفي نفسها وراء ألوان الطبيعة، فتصير شيئاً لا إسم له، تصير «الطبيعي» الذي لا يخطر ببالنا أن نشكّك فيه أصلاً. وخلف دعاية المطاطية اللامتناهية، يتحدّد سقف ثابت للتفكير. خلف التصاق مفرط بالوقائع على ايقاع جنوني يفرضه الشريط الإخباري والنيوزفيد، يختبئ انسلاخ كبير عن الواقع. سردية كبرى تدّعي موت السرديات الكبرى!

هكذا نحن في لبنان مثلاً، علينا أن نقرّ بأنّ أكثرنا ثوريةً في المسائل التكنوقراطية والنظامية، لا يجرؤ على التفكير بالسيادة كطموح حقيقي. أما «السياديون» في السياسة اللبنانية تاريخاً وحاضراً، فلم يكونوا يوماً سوى «دولتيّين»، أي أن ما يسمّونه سيادة هو في الحقيقة حلمٌ بمحاكاة الأسياد الغربيين «المتفوقين»، وإحالة للهيمنة من المواجهة الصدامية إلى السيطرة السياسية والاقتصادية ضمن البروتوكول…

باختصار، إمّا أن ينمو الثقب الأبوي فيصبح سوق أبوّة، أو يملأه آب أجنبي واحد لن يكون في أحسن أحواله إلا أباً للجزء لا لـ«الكلّ».

وأقول «أبويّ» بمعنى الوظيفة البسيكولوجية لا الصفة الجندرية، لأن الثقب هذا مرتبط حتماً بالعلاقة مع أصول الكيان وتاريخه.


المعنى والسيادة

لسنا هنا في صدد عرض ومناقشة نظريات جاك لاكان والكثير من مستخلصات فرانز فانون، لكنّ الدلالة الأبرز بين الثقب ومسألة الأبوّة تكمن في اعتماد الوظيفة السيادية بسيكولوجياً على عنصرين: المعنى الذاتي، وما سأسميه الروح السيادية.

من منظار معرفتنا بالنفس البشرية، ندرك مدى ارتباط هاتين الوظيفتين وتشكّلهما بالوظيفة الأبوية. ونعي في مضامير علم النفس تأثير غياب هذه الوظيفة أو الخلل فيها على النمو المفرط أو المنقوص في هاتين البنيتين المؤسستين للبنية النفسية البشرية.

أما المعنى الذاتي، فلا مكان من دونه أصلاً لطرح المسألة السيادية.

كيف نفكر بسيادتنا ونحن عاجزون عن تلمّس أجسادنا، فرديةً كانت أم جماعية؟ كيف نصلُ أصلاً إلى فهم رغباتنا إن كنّا عاجزين عن تخيّل «نحن» ما؟ وأيضاً، كيف لنا أن ندرك معنىً ذاتياً فردياً أو جماعياً إذا صار «الطبيعي» تفتيت الكليّات جميعها إلى اجزاء ليضمّها جسدٌ معولم مطاطي واحد، تحرّكه أقلية عالمية وزبانية محلية؟ تحرّكه كقفاز.

وأما هذه الروح السيادية، فهي التربة الأصلية لكل حقل الحريّة المعجمي. هي الحدّ الفاصل بين خيار الخضوع مقابل الرفاه النسبي، وخيار المغامرة بالتمرّد.

علاقة هذه الروح بالمعنى الذاتي جليّة من حيث تحديد أنماطها وآلياتها. فنموّ هذه الروح وبزوغها لا يأتي بالضرورة مرافقاً لمعنى ذاتي على مستوى الكيان، وقد يأتي متمَوْقعاً كما في حالة «حزب الله» الاستثنائية، سيادياً على المفصل بين ما هو أكبر من الكيان وما هو أصغر منه، بين المشروع الإقليمي والطائفة المحليّة.

هكذا تعوّدنا، وعلى هذا ربّتنا صيغة هذا الكيان السياسية، أن ننقسم دائماً إلى اثنين، أن تنقسم لغتنا إلى خطابين.

  • خطابٌ يسمي نفسه سيادياً/ دولتيّاً/ حديثاً بالزور، كمدخل إلى تطبيعه العام مع النموذج الواحد الأوحد الذي يفرضه سهم العولمة.
  • خطاب آخر يسمّي نفسه سيادياً/ ممانعاً/ أصيلاً بالزور، كمدخل إلى تطبيعه العام مع مشروعٍ- وإن كان حقاً سيادياً- فهو في خدمة سيادة خارج الكيان لن يمكن لعباءتها أبداً أن تلفّ أكثر من جزء في الكيان.

وعلى هذا المنوال التاريخي، اتّهم القوميون والبعثيون والشيوعيون والإسلاميون «الإنعزاليين» بالولاء للغرب، واتهم الكتائبيون والقواتيون وأصدقاؤهم «المخرّبين» بالولاء للشرق.

على أن أحداً من أطراف هذه الثنائية لم يحمل جديّاً أي رؤية سيادية. وكيف لهم ذلك، وهم إمّا يبحثون عن آبائهم بين صيارفة سويسرا وكنوز فرسان الهيكل أو بين عسكر موسكو وعسكر مصر وشَنب السلطان العثماني؟

الطرفان أرسيا عبر الزمن علاقة تعايش طفيلية على حساب عامّة الناس.

فـ«المخرّب» المتعارض في العمق مع مفهوم الدولة الكيانية يستفيد من الغطاء المالي والدولتي لـ«الإنعزالي» دون تغيير واجهته التمرّدية، والأخير يستفيد من تضاد الأوّل مع سياقات الدولة لإرساء منظومة فساد إقطاعية تتعارض في العمق مع مفهوم «الدولة الحديثة» دون أن يسقط أقنعة «الحداثة» و«الوطنية» ويرينا وجه طموحه الحقيقي: المصلحة المادية الأقلوية.


لكننا اليوم نرى نتائج عجز أحد الأطراف عن تأمين المزيد من الغطاء المالي، مقابل الترهّل الحتمي لجاذبية الخطاب «التمرّدي» لدى الطرف الآخر. نعلم الأسباب السياسية والاقتصادية المباشرة للعجز الأول، ولكن ما هي الآليات الفعلية للتآكل الثاني؟

أولاً، إن التموقع بين سيادية المشروع الإقليمي وسيادية الجزء الطائفي أدّى ويؤدّي حتمياً إلى تشكل شريحة أقلوية داخل الطائفة تؤدي دور الوساطة، فتراكم مجموعة من الامتيازات الاقتصادية، الإجتماعية والمعرفية. بدورها هذه الامتيازات، ستساهم حتماً في هشاشة عقائدية داخلية، إمّا عبر التمرّد تحت ضغط الوعي المعولم أو بالتهجين بين ظاهر العقيدة وأنماط العيش المعولمة بجانبها الاستهلاكي تحديداً.

ثانياً، إن الإرتباط الحيوي والمعنوي بمركز سياسي يعيش سياقات واقعية خاصة به من الاقتصاد إلى الثقافة، يجعل من المعنى الذاتي خادماً لواقع الآخرين المادي. فكلّما ذهب المشروع الإقليمي إلى خيارات تساومية في وجه الوحدانية المعولمة، يكون على الروح السيادية أن تراجع شموخها، وبالتالي حتماً أن تخسر من جاذبيتها إن لم تتحول إلى موضع للسخرية.

وباختلال هذه العلاقة الطفيلية- التفاوضية التي كانت تلعب – بكثير من الكوميديا السوداء – دور الآب، فَرْفَطَ الكيان اليتيم. فقدَ شذرات المعنى الذاتي القليلة التي عوّضته بها الطفيليات عن نقصه الأوّل، بين مصرف ومطعم وملهى. حتى فقدت مرآته الإعلامية – الطفيلية أيضاً – أواخر قدرتها على خداعه بانعكاس راقص.

هذه العلاقة الطفيلية أسموها لنا «صلة الوصل».

وضعوا كامل وعينا أصلاً في بينية دائمة. إذن، نحن لسنا شيئاً، نحن الرابط بين شيئين. لا لسان لنا فنحن بين لسانين. لا فكر لنا فنحن بين فكرين. لا زرع لنا فنحن بين أرضين. لا نرقى إلى منزلة الجسد، نسيماً لطيفاً بين جسدين يتأرجح حيادياً كصوت فيروز حين يخرجه المتألّهون عن لاهوتيته.


المعجزة اللا-أبويّة

كلّ أحلام التغيير التكنوقراطية، طموحات الثورة بالإجراءات، كالرسم في الهواء. يمكننا أن نتحزّر حسن نواياك من حركة يديك، لكن لا جسد يا حسرة! هل المنطقي إذن أن نستسلم لغياب الجسد؟ أن نجري وراء أجساد أخرى نلتحق بها؟ أن نسمّي لبنان ثقباً نتركه يمتلئ بطفيليات الإنس والجنّ؟

لا بدّ لنا أن نحلم بجسد.

نحن هذه الأيام في حضرة قصة قديمة- حديثة عن معلّم ولدته أمّه بلا آب بشري. القصة لا تكمن في عفّة الأم، بل في عبقرية الخصوبة البشرية التي خرج منها، في وحدتها وضعفها، معلّم ملأ الثقب الأبويّ بيديه. فلم يصر له جسدٌ يعرفه التاريخ جيداً فحسب، بل صار هذا الجسد رحماً لكثر ولدوا في الهزيمة، بلا آباء. ومنهم أيضاً من بنى لنفسه بالأحرف والقلم جسداً فاجأ التاريخ.

ولكننا كلما تقنا إلى جسد عدنا إلى ذلك الخيار الرهيب، إلى تلك الثنائية السجن، أجساداً «قديمةً» وأخرى «حديثة».

المسألة ليست موت القديم قبل ولادة الجديد. لأن المولود إذا كان جديداً فحسب لن يكون في أحسن أحواله سوى نسخة وموضع رغبة. وإذا كان قديماً فحسب، لن يكون في آمن نهاياته إلا فحولةً –عابرة للجندر- متحفية خارج التاريخ.

كلّ أقلية أو نخبة اختارت لنفسها معنى ذاتياً غير جامع، ستقع حتماً في هذه الثنائية السجن. هي ترسم مخارج سيادية خاصة بها بل حصرية لها، وبذلك تحاول تسريع حركتها التاريخية على حساب المصير العمومي، على حساب إمكانية الجسد. هذا الإستعجال التاريخي إن شئنا، يخرج الأقلويين من إيمانهم بالمعجزة اللا-أبوية في الخصوبة الجماعية، ويرميهم كلّ مرة في أحد قطبي القديم/ الجديد، الله/ المستقبل، وبالتالي في استحالة الولادة.

هذه أزمة الولادة وليست أزمة الوقت المستقطع بين القديم والجديد. وهذا الفقدان ظلّ الثقب الأبوي، كفقدان للقصة التي تقتل القديم وتخلّده في الوقت نفسه. كما يفعل مار جرجس أو الخضر بذلك التنين القديم فينقله من موقع الراغب-الجسد في الواقع إلى موضع الرغبة-الصورة داخل الأيقونة بجوار القديس.

ربما، تكون القصة المفقودة مختبئة في الفقدان نفسه، في وحدة هذا التسلسل القصصي للمعجزة التي تنبثق من اليتم الأبوي وتشترط أولاً الإيمان بخصوبة الجماعة. هنا، حيث تستمر واحدة من أطول أزمات الأبوة في التاريخ البشري.

الوقار المقاوم

نموذجًا مختلفًا عن «الندّابة» و «الأم الحزينة» ماذا لو كان الألم شعورًا وليس فعلًا؟ تعيش أدوارًا عدة، خارج نمطية أمومتها درسًا في كسر النمطيّة، ودرسًا في المقاومة السياسية

مخيّلة إيلي الفرزلي المذكَّرة

نظامنا السياسي الأبوي وإدانة دور المرأة استخدام رمزي امتثالاً لصورة النظام وعنفها ضد النساء لتفريغ هذه القوة والسلطة في ذروتها