لكلّ من يريد إعطاء فرصة

بعد إعلان تشكيل حكومة حسّان دياب الجديدة، كان من الطبيعي أن يبدأ البعض بانتقاد الثوّار لمواصلة الانتفاضة، وكان لا بدّ من أن نسمع البعض الآخر يطالب بإعطاء الحكومة فرصةً لامتحان قدرتها على إنقاذ البلد أو ما تبقّى منه، ومحاسبة الحكومة حسب أدائها. لكنّ هؤلاء الأشخاص إمّا مساهمون في الثورة المضادّة عمداً أو عن غير قصد، وإمّا أنّهم لا يتذكّرون التاريخ اللبناني المعاصر. لا يمكن أن نتحاور مع الثائر المضادّ عن قناعة. أمّا من أُخفي عنه التاريخ، والذي ينتقد الثوار لعدم رضاهم عن تقديمات السلطة ويطالبهم بإعطاء فرصة لحكومة الثورة المضادّة، فعليه أن يتذكّر.

في العام 1992، عندما أصبح رفيق الحريري رئيسًا للوزراء، قرّر كثيرون منحه فرصة.
كان المنطق الشائع آنذاك هو أنّ هذا الرجل الثريّ أتى من عالم الإعمار والإحسان، بعيدًا من عالم السياسة والميليشيات، وأنّه سيعيد إعمار البلد. كانت النتيجة انتشار الفساد بشكل غير مسبوق لدى جميع أركان السلطة وفي جميع القطاعات، ونهب سكّان وسط بيروت ممتلكاتهم، وسياسات نيوليبرالية أدّت إلى زيادة الفقر وعدم المساواة الاجتماعية- الاقتصادية، وتدمير الحركة النقابية.

في العام 1998، عندما أصبح سليم الحصّ رئيساً للوزراء، قرّر كثيرون منحه فرصة.
كان قائد الجيش إميل لحود قد أصبح آنذاك رئيسًا للجمهورية. وصدّق كثيرون أنّ الرجلَيْن سيتمكّنان من مكافحة الفساد، خصوصاً وأنّهما لم يلطّخا أيديهما بالفساد من قبل. لم تستمرّ حكومة الحصّ مدةً طويلة، لكنّها أكملت النهج الحريري النيوليبرالي (مع بعض التعديلات المتواضعة على ضريبة الدخل)، كما فشلت بمكافحة الفساد المستشري.

في العام 2000، عندما عاد رفيق الحريري إلى السراي، قرّر كثيرون منحه فرصة.
قيل وقتها إنّ على الرجل إصلاح ما بدأه، وخلق فرص عمل لتخفيض الفقر والبطالة. بدلاً من ذلك، حصلنا على المزيد من السياسات النيوليبرالية نفسها، وانتشرت ظاهرة المسؤولين السياسيّين وهم يتوسّلون ما يسمّى بالمجتمع الدولي للحصول على قروض ومنح (مؤتمر باريس 1 عام 2001، ومؤتمر باريس 2 عام 2002).

في العام 2009، بعد الأيّام المظلمة التي أعقبت اغتيال الحريري، قرّر كثيرون منح ابنه فرصة.
حصل ذلك بحجّة «تكريم إرث والده» (مهما كان هذا الإرث). بدلاً من ذلك، حصلنا على سنوات طويلة من المشاحنات داخل السلطة، حيث استمرّت الطبقة السياسية بنهب المال العام وتقسيمه في ما بينها، في حين استمرّ التدهور في الظروف المعيشية عند أغلبية اللبنانيين والمقيمين في لبنان.

في العام 2016، عندما أصبح ميشال عون رئيسًا للجمهورية، قرّر كثيرون منحه فرصة.
ابتهجوا بأنّ لبنان أصبح لديه أخيراً رئيس جمهورية «قوي»، وعاد الحريري الابن إلى رئاسة الوزراء. استحدثت الحكومة آنذاك وزارة دولة لمكافحة الفساد، فكيف لا نعطيها فرصة! لكن، بدل أن نرى خطوات جريئة لمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين الكبار، رأينا بدء نشوء دولة بوليسية تعتقل وتستقوي على صحافيين وناشطين بسبب تعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. واستُكمل طريق تدهور الظروف المعيشية.

في العام 2019، عندما تمّ إعلان حكومة الحريري الابن الثالثة، قرّر كثيرون منحها فرصة.
وكيف لا نعطي فرصةً لحكومة مكّونة من أربع سيّدات، من ضمنهنّ أوّل وزيرة داخلية في العالم العربي! لكن بدل أن نرى نهوضاً في الأحوال المعيشية، حصلنا على ميزانية تقشّفية كارثية، وتوبيخٍ حتّى لا «يسمّعني صوته»، وضريبة على الـ«واتس أب».

بعد كلّ هذه السنوات، يستمرّ التحالف بين السلطة الطائفية القمعية والبنوك الناهبة وكبار رجال الأعمال الجشعين. وتستمرّ أيضاً المطالبات بإعطاء الفرص. وكيف يمكننا ألا نعطي فرصة لأستاذ جامعي كرئيس وزراء، وحكومة مكوّنة من ستّ نساء من ضمنهنّ أوّل وزيرة دفاع في العالم العربي!