لماذا يا نديم؟

كان على هذا المقال أن يُعَنوَن واو يا نديم أو واو أو ببساطة و، كما كتبتُ على صفحتي على الفايسبوك. إلا أنني فكرتُ مليًّا، وقرّرتُ أن أطرح عليك السؤال، وأسألك، وأخاطبك هنا. هل ستسمعني يا نديم؟ هل ستجيبني؟ لأنك لم تسمعني خلال المحاضرة، كتبتُ لك على الفايسبوك، ولأنك تعتبر فنّك ضمن الفنون العامّة، أكتب لك في العلن.

شاهدتُك تحاضر عبر «الزوم» عن أهميّة الفنون العامّة والحق في المدينة. عرفتُ أعمالك من قبل، وتماثيلكَ أيضًا، وأحببت على وجه التحديد الفيل الذي صنعتَه، لأنه وديع وقريب من القلب، كأنه ينتظر غمرةً كي يستفيض حياةً وينطق. أعرف انك مهندس معماريّ.

لم أسمعك تتحدّث من قبل، ثمّ تكلَّمت، فسمعتُ، سمعتُ جيّداً، انا مستمعةٌ جيّدةٌ يا نديم، فذُعِرت. قدّمتَ لنا «المارد»، كما أسميتَه. نصبك التذكاريّ على المرفأ، تمامًا فوق موقع الانفجار. شرحتَ مطوّلاً عن مشاعرك مستخدماً كلمات مهمّة، كـ«التروما» و«الوجع» و«الفنّ». قلت إنّك ستبني المارد من الحديد التالف جرّاء الانفجار، «إعادة تدوير، روسيكلاج»، جميل.

أتعرف ماذا تخيّلت يا نديم؟ تخيّلت أشلاء الناس على الحديد يا نديم، تمسكها أنت وتصنع بها ماردك الكبير. أين تذهب الأشلاء؟ وهل تلتحم مع الحديد؟ قليل من هذه العظام هنا، وبعض من هذا الجلد هناك، معاصر وجميل!

حسنًا… ثمّ قلتَ شارحًا ومستفيضًا: التقيتُ برئيس المرفأ ونائب الرئيس والأجهزة الأمنية والمخابرات… أتعرف يا نديم؟ تنقصُ ماردَكَ هذا عينٌ كبيرة، عين الحق، خذ عينًا من عيون الشباب العزّل التي اقتلعتْها الأجهزة الأمنية في أثناء المظاهرات، وضعْها بوصلة على رأس ماردك. من ثمّ قلتَ أيضاً: تعرفون، أنه بعد الانفجار أصبح هناك صعوبة في الدخول إلى المرفأ، إلا أن الأجهزة الأمنية والسياسية سهّلت لي الأمر… ثمّ قلت: سنفتتح هذا المارد تخليداً لضحايا الانفجار، ممكن بحضور رئيس الوزراء. طيّب.

هناك شيء جميل في «الزوم»، وأحيانا في الفنّ المعاصر، أن القباحة تمسي أكثر تقبّلاً. لكنني لم أتقبّل، فسألتك إن كنتَ على دراية بعِلم الأجهزة الأمنية وهذه الوجوه السياسية بالأمونيوم، وبأنها شاركت بطريقة أو بأخرى في تفجير المرفأ، فكيف لك أن تخلّد ذكرى الضحايا على يد المجرمين؟ عندها، كان وجهك حالة خاصّة. مجددّا، لأنّه «الزوم». لأنني لا أرى إلا وجهك يا نديم، أرى عينيك جيّداً، أنا أسمع وأرى جيّداً. دارت عيناك لثوانٍ قليلة، ثم تحوّلتَ لمارد. وكان التحوّل سريعاً جدّاً وتكلّمت بنبرة غاضبة قليلاً، لا أذكر جيّدا ما قلت، لكن أذكر الكلمات التالية: الفنّ غير السياسي، الآبوليتيك! الله يا نديم! لكن الآبوليتيك، بوليتيك، وكثيرًا.

هنا استشطْتَ غضباً وقلت: هذه حلقة مغلقة، وهذا المشروع سريّ إلى الآن. شعرت بخوفك يا نديم. شعرت به جيداً. لكن هل شعرتَ أنتَ بخوفي؟ هل شعرتَ بيديّ المرتعدتين أثناء استحضاري كلَّ لحظات الانفجار؟ مات على مقربة منّي رجلٌ يا نديم. مارد بضحكته، حتى عندما وقع جثةً كان ضاحكًا. مات على مقربة منّي وانا لم أمت، عشت. وها أنذا أسمعك تتفوّه عن الفنّ المعاصر. هل رأيت وشعرت بكل هذا يا نديم؟ كلا.. تبّاً هل هو عطب منك أم من الزوم؟

يبدو هذا المقال أشبه بحلقات تسامر صباحيّة أو مسائية، لا فرق. لا أعرف أصلًا إن كان يجدر بي تسميته بالمقال. هو شيء مضحك ومبكٍ فعلاً. تدمع عيناي، وأضحك، يدي اليمنى ساخنة جدّا ويدي اليسرى باردة جدّا. ما هذا الهراء يا نديم؟ هل هذا مقال؟ لا أعرف، لكني أكيدة أن هناك شيئًا ما، بين هذه السطور، شيئًا من البوح، يجدر به الوصول إليك أنت بالذات يا نديم. إن تمرّدتَ على ماردك وقرّرتَ إيقاف مشروعك الآن تكون قد سمعتني، أو شعرت بيديّ الخائفتين. وإن نصّبتَ ماردك مارداً على الضحايا والمدينة والمرفأ والطيور (بالمناسبة، أتوقّع طيورًا ميّتة عالقة بين أشباك الحديد هذه، جيفَ طيور على ماردك هذا الذي أعاق حركة طيرانها) فأنت قرّرت من أنتَ يا نديم، ولم يجبرك أحد على ذلك، لا الانفجار، ولا رئيس الوزراء ولا رئيس المرفأ ولا الأجهزة الأمنية.

أرجو أن تكتب لي جواباً عن كلّ هذا. لماذا يا نديم؟

رئيس وحدة القمع والقبع

الحج وفيق صفا، رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في حزب اللهأفلت فنيانوس والمشنوق على بيطار، وهما صبيان صفا عند المردة والمستقبلتوأم بشخص عباس إبراهيمغازي كنعان أو رستم غزاله من قبله

القاضي والتدخّل المشروع: فرضيّات تدين حزب الله

ملف انفجار المرفأ سيتمّ طمسه«محسوباً عليهم»دور حزب الله الإعلاميتورّط الحزب بطريقة ماكان اعتداءً إسرائيلياًخطاب ضدّ «الفساد»، متمسّك بالنظامنزاهة التحقيقعدالة المتّهم الذي يصدر قرار الحكم على نفسه