لماذا يستهدف العهدُ الحاكم؟

لم يخفِ العهد منذ أكثر من عام طموحه الدائم لإخراج حاكم مصرف لبنان من موقعه، أو على الأقل استهدافه بشكل مستمرّ لإضعاف موقعه في المعادلة المحليّة، تمهيداً لدفعه لخروج آمن من الحاكميّة. وكجزءٍ من هذا المسار بالتحديد، يمكن فهم الملف القضائي الذي بادرت القاضية غادة عون- المحسوبة على العهد- إلى فتحه في وجه الحاكم مؤخراً.

في الواقع، بات من الواضح أنّ أي معالجة فعليّة للأزمة الماليّة لن تنسجم مع وجود سلامة في حاكميّة مصرف لبنان، لما يمثّله من عقبات في وجه فهم طبيعة الخسائر الموجودة في مصرف لبنان، وفي وجه توزيع هذه الخسائر بشكل عادل. لكنّ طموح العهد لم يرتبط يوماً بهذه الحسابات أو بهذا النوع من الأهداف، لا بل كان من الواضح أن التيار الوطني الحر سعى إلى استهداف سلامة دون أن يؤدّي استهدافه لكشف خبايا المرحلة السابقة أو تغيير طبيعة الفئات التي تدفع ثمن الأزمة.

يريد التيار أن يلعب دور سلامة نفسه، لا أن يغيّر طبيعة الدور الذي تلعبه حاكميّة مصرف لبنان.


بالنسبة إلى العونيين، لطالما مثّلت الحاكميّة أحد المواقع المارونيّة الثقيلة التي يسعون لاستردادها في سياق حرب «استعادة الحقوق» وتحاصُص المناصب في النظام السياسي اللبناني. وهذا الموقع لا يرتبط بمكانة ذات رمزيّة طائفيّة فحسب، بل أيضاً بمكانة ذات وزن على مستوى الخدمات الزبائنيّة التي يمكن للنظام أن يقدّمها، خصوصاً إذا ما أخذنا في الإعتبار دور المصرف المركزي في الإشراف على مؤسسات عديدة كالكازينو وشركة طيران الشرق الأوسط وغيرها، وهي جميعها مؤسسات مليئة بالمنافع والوظائف التي يسعى التيار لوضع يده عليها. من هذه الزاوية بالتحديد، يمكن تفسير إصرار التيار على التفاهم مع رياض سلامة على توزيع المناصب في بعض هذه المؤسسات قبيل موافقته على التجديد للحاكم سنة 2017.

بالنسبة إلى جبران باسيل، مثّل الحاكم قبل تشرين الأوّل 2019 منافساً شرساً في ما يتعلّق بحسابات رئاسة الجمهوريّة في المستقبل. فالحاكم يُعدّ شخصيّة مارونيّة تمكّنت من نسج تقاطعات المصالح على المستوى المحلي مع جميع القوى السياسيّة دون استثناء، بما فيها الممانِعة. وفي ذلك الوقت، تمتّع رياض سلامة بغطاء دولي واسع، نظراً لدوره في امتثال مصرف لبنان لمتطلبات مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال وفقاً للمعايير الأميركيّة والاوروبيّة. ورغم أن السخط الشعبي والدولي على أداء مصرف لبنان بعد تشرين الأوّل 2019 أضعف فرص سلامة للعب أي دور سياسي في المستقبل، يحرص باسيل اليوم على إحراق ورقة سلامة كليّاً، من خلال إبعاده عن موقعه قبل دخول البلاد في مرحلة التصحيح المالي والنقدي.

وفي الوقت نفسه، يجد باسيل في سلامة كبش محرقة مثالياً يسمح له بتسويق نفسه على المستوى الدولي، ولو أن العقوبات الأميركيّة الأخيرة عليه مثّلت ضربة قاضية على هذا المستوى. استعمل باسيل فريق عمل العهد الوزاري في حكومة دياب إعلامياً لتسويق التيّار على أنّه القوّة السياسيّة الوحيدة التي تدفع بإتجاه إصلاحي مالي مناوئ للحاكم وحلوله، ومنسجم مع متطلبات صندوق النقد للخروج من الأزمة، فيما كان تكتّله في المجلس النيابي ينسجم فعليّاً مع اللوبي المصرفي الذي تآمر عمليّاً على جميع متطلبات التصحيح المالي.


لكلّ هذه الأسباب، يستعرض التيار اليوم استهدافه لسلامة، دون أن يتطوّر هذا الاستهداف إلى ما هو أعمق من ذلك، كالسعي إلى كشف الحقائق المخفية في مصرف لبنان، أو الدفع بإتجاه توزيع عادل لخسائر الانهيار. فموقع مفوّض الحكومة في المصرف المركزي، الذي يملك صلاحية التدقيق في جميع حسابات المصرف وقراراته، غائب عن المشهد اليوم، رغم أنّ هذا المنصب كان عمليّاً من حصّة التيار نفسه في التعيينات الماليّة الأخيرة. وعلى مستوى مجلس النواب، لم يلعب تكتل باسيل أي دور مختلف عن الأدوار التي لعبتها سائر التكتلات النيابي، التي زرعت الألغام على طريق التدقيق الجنائي، والتي أطاحت على نحو متكرر بجميع الشروط المطلوبة لإطلاق مسار التصحيح المالي.

هكذا يصبح مفهوماً فتح مسار قضائي يستهدف الحاكم في مسألة هامشيّة قياساً بالارتكابات الكبرى التي قام بها. فأن يُحاكم سلامة اليوم في قضيّة استعمال الدولارات في السوق السوداء، فيما يتجاهل القضاء والنظام السياسي بأسره ملفّاً بحجم الهندسات الماليّة، هي مسألة لا تدل سوى على رغبة هذا التيار السياسي بإحراج الحاكم دون كشف أكبر فضائحه. وقد يبرر ذلك تورّطُ بعض المقرّبين من التيار العوني في النظام المصرفي الذي اشترك في فضائح الهندسات الماليّة، قبل أن يوافق التيار على التجديد لسلامة العام 2017.

على رياض سلامة أن يرحل فوراً

المؤتمن الأوّل والأخير على تنفيذ قانون النقد والتسليف حمايتهم من أوساخ الحاكم نفسه التحويلات لتهريب أمواله الهندسات الماليّة أحد المستفيدين الكبار عرقلة التدقيق الجنائي رفع السريّة المصرفيّة زرع السكين المسموم

مستر الـ30 بالمئة: الاستثمار بالفقر

«الاستثمار» بالفقر قرض قيمته 246 مليون دولار إشكالية سعر الصرف البنك الدولي رضي بهذه المعادلة تقليص عدد العائلات الأكثر فقراً المستفيدة تهريب نسبة كبيرة منهاالطباعة هي كذبة وجريمة سياسة «السلبطة»