لماذا يشبّهون الكوفيّة الفلسطينيّة بالكورونا؟

بينما تحاول السلطة اللبنانيّة إخفاء الكثير من معالم الحرب الأهليّة والتخويف من تكرارها، يعود اليمين اللبناني في 13 نيسان للتذكير بمآلات الحرب، مستعرضاً بطولاته ومغيِّباً السياق السياسي الاقتصادي الذي كان سائدًا في تلك الفترة، من خلال كاريكاتوراته العنصريّة ومقالاته التي تعكس بالضرورة أيديولوجيّته السياسية الواضحة. فكما سمّى الحرب الأهليّة «حرب الآخرين» في لبنان، وتباكى على أطلال «سويسرا الشرق»، يعود في أكثر من موضع ليجرّد النظام السياسي الاقتصادي اللبناني من مسؤوليّته بالكامل تجاه الحرب والأزمات.


خلافاً للسلطة، لا يمكننا تهميش ظروف الحرب الأهلية الاقتصادية والاجتماعية التي تُشبه إلى حدٍّ كبير الظروف التي نعيشها اليوم.

فمشهد غلاء المعيشة وتضاعف أسعار السلع في الأسواق ليس جديداً. في العام 1967، وحتّى اندلاع الحرب، صُنّفت بيروت كأغلى مدن العالم. أدّى احتكار قطاع التجارة وحركة الصادرات والواردات من قبل خمس عائلات كبرى، بالإضافة إلى غياب الرقابة على أسعار السلع، إلى غلاء كبير في المعيشة.

لكنّ تكديس الأموال واحتكار الثروات وإنهاك الطبقات الفقيرة تعود آثاره لأواخر القرن التاسع عشر، حيث اعتمد الاقتصاد اللبناني بالكامل على الرأسمال الغربي الذي أدّى لظهور طبقة من البرجوازية اللبنانية، إضافةً إلى طبقة الزعامة السياسية النخبوية التي حكمت البلد آنذاك، وما زالت.

شهدت بيروت الستينات والسبعينات حركة نزوح ضخمة من الأرياف إلى المدن ساهمت في تغيير تركيبتها الديموغرافية وفي تعزيز فجوة الفروقات الطبقية، حيث سكن النازحون أحزمة البؤس التي تشكّلت على أطراف المدينة، بينما بقيت المباني الضخمة والشقق السكنية الفخمة التي تشكّلت غالبيّتها بالرأسمال العربي، خاليةً من السكان.

حتّى أزمة القطاع المصرفي اليوم يمكن إعادة نواتها لزمن الحرب. ففي العام 1969، سيطرت البنوك الغربية الأجنبية على نحو 40% من البنوك في لبنان، لتتضاعف هذه النسبة بعد خمس سنوات. لقد ساعد ازدهار القطاع المصرفي الذي يُعتبَر الاعتماد الأساسي للاقتصاد اللبناني، على استمرار سيطرة طبقة الأوليغارشية الاقتصادية السياسية، وتهميش القطاعات الإنتاجية الأخرى وانهيار الاقتصاد في 2019.


أدّى كلّ ذلك، منذ 1967، إلى ظهور حركة مناهضة شعبية واسعة ضد الأوليغارشية وسياساتها. لكنّ الحرب كانت خيار الأضعف، حيث لجأت إليها السلطة للحفاظ على بنية نظامها.



لماذا يشبّهون الآن الكوفية الفلسطينية بالكورونا؟ ولماذا يهمّشون الأزمة الاقتصادية وكأنّ الكورونا هي أزمة البلد الوحيدة؟


إنّهم يدركون جيّداً أنّ أزمة الطبقات الفقيرة الحقيقية هي بنية الاقتصاد اللبناني.

الكورونا، وإن كشفتْ شيئاً، فهو الفروقات الطبقية الشاسعة في البلاد، وعدم قدرة محدودي الدخل وأصحاب الدخل اليومي على الاستمرار.

إضافةً إلى ذلك، تُعتبَر الكوفية الفلسطينية رمزًا للثورة منذ عهد الانتداب البريطاني، وقد أعاد إحياء رمزيّتها المنتفضون في ساحات 17 تشرين. وبذلك، فالتباهي بمحاربة الكوفية ليس إلا تباهيًا بقتل الحركات التحرّرية.

هذه ليست المرّة الأولى التي يذكّر فيها اليمين بطريقة عنصريّة بالحرب. فهو لم يوفّر حراك المخيّمات الذي خرج فيه اللاجئون الفلسطينيّون مطالبين بحقوقٍ معيشية أساسية. ولم يتردّد لحظةً باتّهام المنتفضين اللبنانيين بزعزعة الاستقرار ومحاولات إشعال فتيل حرب.



قد يتغيّر شكل الحرب مع الزمن، لكنّ المؤكّد أنّ الحرب لم تنتهِ. لكلّ الذين يخافون الحديث عن الحروب، إنّ أشلاء كلّ من ماتوا دفاعًا عن أفكارهم التحرّرية ما زالت حيّة، ستعود يومًا مع أشلاء أولئك الذين ماتوا وما زالوا يموتون فقراً، لتحدّث عن كلّ شيء.