لم تعُد معركةً سياسيّة

بعد انتهاء نظام ما بعد الطائف والنموذج الاقتصادي السائد، وبعد إطاحة التسوية بكلّ ما تبقى من فتات لبنان، جاء الانفجار الهائل ليمحو بيروت التي نعرفها. لا بل إنّ لبنان الذي نعرفه انتهى فعلياً قبل الانفجار. كنا نعيش فيه كلّ يوم بيومه، نسرق فيه لحظات من السعادة سرعان ما كانت تختفي عند سماع خبر من هنا أو هناك. كان عدّاد الأيام يمرّ ونحن نلهي أنفسنا بالحياة اليومية كي نتفادى التفكير بما يجري من حولنا. كل يوم جديد يجلب معه قلقاً، وسواساً، شللاً، وذنباً.

القلق ممّا سوف يأتي.

الوسواس من الكورونا الذي ينخر في دماغنا ولا يعطينا مساحة للتنفس أو الراحة.

الشلل الذي هو حالة مستدامة من عدم القدرة على التخطيط لما هو أبعد من أسبوع، وعدم القدرة على المواجهة في الشارع.

الإحساس بالذنب يرافقنا كلّما مرّ يوم ونحن نعمل (ولو أنّ راتبنا رمزي) وغيرنا عاطل عن العمل. كنا في دوامة حزن على أنفسنا، على أهلنا وعلى الذين لا نعرفهم. لكنّنا كنّا نجهل أنّنا لم نصل بعد إلى الحضيض.

لم يكن الحدث الأكبر الذي فجّر بيروت إلا لحظة تجلّي الخراب الذي كنّا نعيشه، والذي كان موجوداً في داخلنا، لكنّنا كنّا نغضّ النظر عنه.


ما زلت حتّى الساعة أخاف من أي صوتٍ يصدر بشكلٍ فجائي. تركتُ بيروت لأنّ غرفتي لم تعد صالحة للسكن. لكن حتّى هناك، في الجنوب، ما زلت لا أشعر بالأمان. لا أجرؤ على البقاء وحدي أو مشاهدة التلفزيون لأنني أخاف أن تنهمر دموعي بلا توقّف. لا أستطيع أن أصدّق أنني نجوت بدون خدش، وكلما أفكر بنكبة الناس والعذاب الجماعي الذي نعيشه، أكاد لا ألتقط أنفاسي. 

لكن، لا أريد أن أبقى من دون أن أحرّك ساكناً. أريد أن أنهمك بالعمل على الأرض والمساعدة. وأريد أن يغمرني شعور عارم بالغضب. الغضب من «كلن يعني كلن، وما يبقى واحد منن». فقد انتهت مرحلة الإقناع والفرص والمجاملة والدبلوماسية والتفهّم. جاءت مرحلة المحاسبة. سوف نحاسب بأنفسنا وبأيدينا. سوف نحاسب الجميع، بلا استثناء. الجميع مسؤول ولا أحد بريء. المتّهم مدان مدان مدان.

ذهبت بيروت التي نعرفها، وانتهى لبنان الذي نعرفه، ولم يعد لدينا ما نخسره. لبنان الجديد سنرسمه بأيدينا ولن يكون هناك مكانٌ لهذه العصابة الموجودة. لا مكان للقتلة والمتواطئين. ولمن يقرأ ويفكر ولو للحظة أن يستثني أحداً أو أن يقول «بس هيدا آدمي»، فهو ضدنا وليس معنا ولا مكان له بيننا.

بعد انفجار المرفأ، لم تعد المعركة سياسيّة، باتت معركة وجودية، وأطرافها واضحة: إمّا أن تكون/ي مع المجرمين أو مع الضحايا.

انفجار طائر الفينيق

لكن إذا قتل طائر الفينيق، فإنّه يموت، ولا يولد من جديد كأننا دائماً محكومون بتخيّل واقع أسوأ لنخلق الأمل لا نريد أن تعزّز الأزمات قدرتنا على الصمود الانتقام والعدالة لا تنبثقان من قاعات المحاكم الفاسدة أو لجان التحقيق المركبة

وداعًا للّغة

يُلَوْفِكون الموضوع ويتقاذفونه ويحذّرون ممّا يمكن أن يحدث أتخيَّل شباباً يلحمون فجوة في حائط عنبر الأمونيوم، وأهلع مثلما هرَّبوا أموالهم، وتلاعبوا بأرزاق اللبنانيين ومدّخراتهم حتى لغتهم بمفرداتها هذه بائسة ومجرمة لا نستحق على الإطلاق لا انتظارنا، ولا صدمتنا المقيمة، ولا حزننا، ولا غضبنا.