لم تقتله السلطة، بل هو مَن قتلها

ينتحر لبنانيون منذ سنتين تقريبًا بعلانية. لم يعد الانتحار فعلاً خبيئًا، مستترًا، كأفعال الصمت المنتزعة من ردهة الحياة أو من كواليسها. يشاع إنّ المواطنين ينتحرون كنتيجة حتمية لمفاعيل النظامَيْن السياسي والاقتصادي، وأنهم لا بد في انتحارهم قد قُتلوا، وأنهم ضحايا هذين النظامَيْن. مقارنة تبدو منطقية للغاية في التصوّر العام، لكن لا بدّ من قراءتها من زاوية أخرى. 

لا بدّ من الاعتراف أيضًا أنّ فعل الانتحار، كفعل سياسي، هو فعل تحدٍّ وحرية. ومَن ينتحر يكون قد اكتسب شجاعة القفز فوق جدار الإماتة والتعنيف. واستطاع بإرادة واعية تحدّي أدوات القمع. هنا مكمن الانتحار في قدرته على افتعال الحرية بلا قيد، واستعادتها من الجلاد والسجان والأمن والسلطة، ومصادرتها كلغة جسدية وكخطاب بصريّ، يُعلي من شأن الخيار الشخصي على التعبئة العامة والجمع وعلى أصول القيمية وأفكار الطوباوية التي تُعلي من شأن البقاء والقبول والسيطرة والرضوخ والتقولب والانصهار. وبهذا، فإنّ الانتحار يُعلي من شأن الخلاص، والحرية والاحتجاج.

ليس فعل الانتحار مقتلةً أو نتيجةً محصورة فقط في أنّ السلطة تقتل، وبأنّ المنتحر قتيلها الشكليّ بصريًا، وليس سوى ضحية يستحقّ الشفقة. بل يبدو فعل الانتحار إخضاعًا لهذه السلطة التي تحاول قمعه معتبرةً أنّ عليه القبول بشروط حياتها، والتأقلم ضمن حدودها وأساليبها وظروفها، وعليه أن يعيش موته الحيّ، منتظرًا موتًا آخر، قدريًا أو مُقدّرًا من قبل آخرين، كأن يُقتَل فعليًا عبر رصاص الأمن أو في السجون أو أن يغتال عبر مافيات أو انتظار موته بمعدة خاوية.

لعلّ حصر التعاطف مع الانتحار وشجبه باعتباره انتقاصًا من فردية الفرد وخصوصيّته ورهافته وحساسيّته، أو اعتباره وفق منظومة التشخيص الطبي والنفسي فعلاً يائسًا وضعفًا، ليس إلا نظرة متفوقة على الانتحار والمنتحرين، وقبولاً ضمنياً باعتبار الانتحار موضوعاً مستتراً غير قابل للإعلان أو الفضح. 

فماذا لو تمّ النظر إلى الانتحار من مفاهيم أقلّ أبويّة، باعتباره فعلاً تخريبياً على القمع، واحتجاجاً عليه، واستخداماً للموت أو القفز كأداة فجّة للتعبير عن آخر رمق في العداء للنظام القائم ورموزه وتكويناته ومؤسساته. ربّما كان الشعر والأدب ومعهما الفلسفة أكثر الميادين إنصافاً لفعل الانتحار، باعتباره فعلاً فردياً خرج عن السرب وتحدّاه، لا بل سجّل فيه أكثر النقاط قوّة في الصراخ داخل الصمت نفسه.

لا بدّ أن يتحوّل الانتحار، الذي بقي منبوذاً كفعل مهين لصاحبه ومثير للشفقة، صيرورةً لمستقبل الفرد المعاصر في عالم متوحّش. ليس التوحّش في ظهور العنف بأشكاله التقليدية، من قتل مباشر وحروب ومتاريس، بل يكمن التوحّش في تعامل السلطات أجمع مع الفرد وتهميشه ومعسه وقتله معنويًا ونفسيًا وتفقيره واستعباده وتبديد أحلامه وأفكاره ومشاريعه، وتفشيله باعتباره وضيعاً وأقلّ إنتاجيةً وأقلّ إسهاماً في مجتمع الاستهلاك ونطام الرأسمالية. 

ينتحر عالمياً من هُم بلا عمل. بعد أزمة كورونا انتحر كثر. ينتحر من هم بلا مأوى. من هم تحت خط الفقر. ينتحر بعض من خسر أشغاله. بيته. كرامته. ينتحر من خسر بلده. ينتحر بعض اللاجئين والمنفيين. ينتحر بعض المثليين والمتحولين جندرياً. ينتحر من يشعر بغربة ومن يحسّ بمنفى. ينتحر من يشعر أنّ لا قوة له كي يرفض كل هذا إلا بالقفز على جدران القمع والتهميش، وبالتالي على الموت العادي أو المتوقّع. الانتحار فعل احتجاج. يسجّل المنتحر صوته المنطفئ في هذا العالم المتوحّش، ويغادر حاملاً معه فعل الإدانة.

ينتحر كلّ من له جناحان لم تقتلعهما الأنظمة على اختلافها.

من انتحر، لم تقتله السلطة، بل هو من قتلها. وسجّل للتاريخ ضعفها وبطشها وخوفها منه.