لكَم تمنّينا لو أنّ كلّ ما يحدث ليس سوى كذبة أوّل نيسان

في العام 2007، أخرَج ربيع مروّة بالاشتراك مع فادي توفيق مسرحيّةً تروي سيرة مقاتلين في الحرب الأهلية، ينتمي كلٌّ منهم لحزبٍ ما، ثم يستشهد، فيخبرنا عن الحادثة من برزخه، ليعود ويتقمّص مقاتلاً جديداً في معركةٍ جديدة، ثم يستشهد… وهكذا دواليك. كان عنوان المسرحية: لَكَم تَمنَّت نانسي لو أنّ كل ما حدث لم يكن سوى كذبة أوّل نيسان.

إلى حدٍّ كبير، يشبه هذا الملخّص حياتنا اليوميّة في لبنان. كل يوم، تختار أن تستيقظ صباحاً، أو ظهراً، وتخوض معركة الحياة ههنا، على هذه الأرض، إن كان ثمّة ما يستحقّ الحياة. ثم تعود أدراجك مساءً، نصف ميت، نصفك الآخر ليس ميتاً لكنّه بالتأكيد ليس بحَيّ. ثم تخبر قطّتك الأليفة عن يومك، وهي تموء غير آبهة. ثم تنام، ثم تستيقظ صباحاً، أو ظهراً، وهكذا دواليك.

تتذكّر محطّاتك الأساسية: كيف اجتزتَ الطريق الموازية للمرفأ دون رَمشة عين، كيف مَشيتَ بوتيرةٍ أسرع حينما رأيتَ عراكاً سخيفاً في الحَي، كيف سحبتَ محفظتك بالسرّ وعَدَدتَ ما فيها من أوراق مونوپولي قبل دخولك محلّاً تجارياً لشراء الأساسيات فقط لا غير، كيف أنّه من سابع المستحيلات أن يجد شابٌ عشريني شقّةً تأويه في بيروت– في حين أنّ نصف الشقق فارغة في بيروت.

تفكّر في نفسك، مَن المُخرج هنا؟ تعتقد أنّ المساحات حولك كواليس فيلمٍ ما، وأنّ لبنانَ مغلَّفٌ بقبّةٍ مُصطنعة في داخلها مئات الكاميرات، وأنّ العالم كلّه يشاهدنا كمسلسلٍ على تلفزيون الواقع: سعيدة وأهلا وسهلا فيكم جميعاً، منتمنّى تكونوا انبسطتوا بهالحفلة، أو بالأحرى بعد ما حدا انبسط، فانشالله بتنبسطوا. والكل مرميٌّ هنا في سرديّةٍ مُعَدَّة سلفاً، كتبها رجلٌ ساديّ، أو مازوخيّ، وطلبَ من الجميع أن يلعبوا أدواراً مُحدَّدة، إلّا أنت؛ إلّا أنتَ في هذا المدى المفتوحِ للأعداءِ والنسيان.

تُحاول أن تتأكّد. تطرق على السماء بيدك، علّها مجرّد صورة سماء معلّقة في خلفية المسرح – لكنّها لا تتمزّق. تبحث عن تفسيراتٍ أخرى. تتمنّى لو أنّ كل ما يحدث ليس سوى كذبة أوّل نيسان، ولكنّك لا تبتسم، مع أنّ لهذا اليوم في ذاكرتك طَيفاً سعيداً. أتذكُر كم كنّا سُذَّجاً؟ كنّا في صف السادس وكان أحدنا يقول: مدام جوسلين مريضة وما عنّا جغرافيا. نحتفل، إلى أن تأتي المدام جوسلين، ثم نغضب، ولا يضحك سوى صاحب الكذبة.

تُرى، من يضحك الآن؟

تخيّلوا فقط لو أنّ كل ما حدث لم يكن سوى كذبة أوّل نيسان. لكم تمَنّينا، مثلاً، لو أنّ تفجير مرفأ بيروت كان كذلك. لو خرج الرئيس، الذي كان يعلم إلى جانب آخرين بوجود النترات في المرفأ، وقال بعد دقائق من الإنفجار: يا شعب لبنان العظيم، لا تقلقوا، إنّها كذبة أوّل نيسان فحسب. أشلاؤكم على الأرصفة دُمى مَحشوّة بالإسفنج، ونترات العنبر رقم 12 في طريقها «للاستعمال الزراعي».

لكن لا، خرج الرئيس ليقول: C’était trop tard. يعني فاتَ الأوان. كنّا قد تأكّدنا أصلاً أنّ ما حصل حقيقيّ. وقِس على ذلك.
لكم تمنّيتُ، مثلاً، لو أنّ ما حلّ براتب والدي لم يكن سوى كذبة أول نيسان. لو أنّ هجرة أخي، كذلك، لم تكن سوى كذبة أول نيسان. لو كان ليقول: عم بمزح، هيدي الصورة على شط صور، بعد أن يُرسل لنا صوَره من شواطئ أستراليا. هناك، لا انهيار، فقط مجموعة ناس يعيشون حياةً طبيعية ويشربون الماء من الحنفية مباشرةً. لو يخبرنا أخي أنّ هجرته لم تكن سوى كذبة أوّل نيسان، لَتوقّفَت أمّي عن البكاء.

لكن لا، هجرة أخي حقيقة. وهجرتي حقيقة أهرب منها، تماماً كما أهرب من انفجارٍ هنا، و«إشكالٍ فرديّ» هناك، مكتفياً بالصمود ههنا، Hic et nun [الآن وهنا]، دون أن أملك أدنى جواب عن بكرا. بالمقابل، تُجيبني صديقة بنظريّةٍ طَوَّرَتها لمواساة نفسها حول هذا «البُكرا»، تقول: بكرا كتير أَخرى، وأحلى إيّام راحت ومشي الحال. فحاولوا تنبسطوا قد ما فيكم. هذه مثلاً، هي الحقيقة، بعيداً عن أكاذيب أول نيسان.

وفي حين أنّ الجميع ماتوا في المسرحية في الحرب ذاتها ليعودوا ويتقمّصوا أدواراً جديدة في الحرب ذاتها، إلّا أنّ الجميع يموتون في واقع اليوم في حروبٍ مختلفة، ليعودوا ويتقمّصوا أدواراً جديدة في حروبٍ مختلفة. ومع أنّ نانسي، التي لَكم تمنّت لو […]، صحافيّة مجهولة الهوية، وعلى الأرجح من نسج خيال المُخرج – كما أشار لي صديقي حاتم الذي شارك في المسرحية – إلّا أنّها قالت حينئذٍ ما يخالج شعورنا اليوم: لكم تمنّينا لو أنّ كل ما يحدث ليس سوى كذبة أوّل نيسان.

رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

من يقرأ هذه المقالات؟ مَن يكتبها؟

هكذا كان يبكي. هكذا كان يتخطّى يوميّاته. هكذا كان ينتظر في الطابور. هكذا كان يعرق. هكذا كان يشرَب. هكذا كان مُبنّجاً، يرى جثّة رجلٍ ويضحك. هكذا كان يَتقَوقع في منزله. هكذا كان يُعيد قراءة المقطع نفسه من خاتمة «مُجرّد تعب»