ليست مطالبَ طوباويّة

في تنظيمنا السياسي، حاولنا دائماً إقناع الناس بأنّ لا أولويّة تسبق غيرها، وأنّ مطالبنا ليست طوباويّةً أو منفصلةً عن الاحتياجات العينيّة والماسّة لمن هم في أسفل تسلسُل الدورة الغذائية الرأسمالية. ولطالما اتُّهِمنا بالتحليق بعيدًا من مشاغل العامّة، أو بالدفع نحو مطالب غير منطقيّة، تعكس- كما زعم المتّهمون ـ عدم فهمنا لسيرورات التغيير.

رغم خطر الوقوع في التبشير، لا بدّ أن نعترف بأنّ الأزمة التي نعيشها تعيد مطالبنا إلى الضوء، فجّةً وغير آبهةٍ بمنطق الأولويّات والحنكة السياسية.

وكما تحاول السلطة استغلال الحجر الصحي لتمرير مطالبها بكلّ وقاحة، من الاستيلاء على نهر الكلب ومرج بسري وما تبقّى من أموال المودعين، لنا أن نضخّ مطالبنا في الحيّز العام دون خفض سقفها.

فما يتمّ تصنيفه كأولويّة في المجال العامّ محكوم بـ«حجّة السلطة»، أي المنطق المستند إلى بنية الواقع الجائر والمتعلّق بالمرجعية غير العادلة للحجّة ذاتها: كأن تعلن الدولة حالة طوارئ، مستندةً إلى حكمها عمّا هو طارئ وما هو عرضيّ يحتمل الانتظار.

فلا تزال السياسات المالية والبنوك تحاول الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من السلطة. ولا يزال نظامنا الاقتصادي مبنيّاً على التضحية بحيواتنا من أجل مراكمة الرساميل، ولم نتجاوز مكانة الأضرار الجانبية في مخطّطاته. ومن المستعصي أن نصدّق اليوم التهليل بأنّنا «عمّال وعاملات أساسيّات»، أو أنّ الدولة تحاول حماية حيواتنا من خلال التعبئة العامّة، ما دامت لا تزال تستغلّ أجسادنا وأجساد الطبيعة من حولنا.

وفي المقابل،

لا يزال المتّهمون ينتظرون المحاكمة، والمساجين إخلاء السبيل، والمودعون فتح البنوك، واللاجئون إعادة التوطين، وعاملات المنازل المهاجرات إلغاء نظام الكفالة، والأمّهات حضانة أطفالهنّ، والمياومون معاشات آخر الشهر، والأحياء المفقَرة تنظيفها من النفايات، والقرى مدَّها بالكهرباء ومياه الدولة، والمشرّدون يومًا لا تهطل فيه الأمطار عليهم- إذ أنّهم قد تخلّوا عن مطلب الإسكان منذ زمن.

ننتظر جميعنا بحجّة أنّ هذا كلّه «قيد العمل»، وأّنّ لا تغيير يحصل بين ليلة وضحاها، وأنّنا قبل رفع سقف مطالبنا، يجب أن نقوم بدراسة ميدانية تلجم خيالنا السياسي في حدود «المعقول».


تحدّد الدولة طوارئها سريعًا: فيروس أتى في وقته، تحاول السيطرة عليه وعلينا الصمت في الأثناء. كما تتمنّى أن يحصد في طريقه بقايا أيّة همّة سياسية بقيت لدينا منذ 17 تشرين.

الحقيقة هي أنّنا نعيش حالة الطوارئ يوميّا، وهي حالة طوارئ أزليّة:
• لطالما خفنا أن نمرض بأيّ شيء لا يحلّه البنادول لأنّ سياسات التقشّف لا تطال جيوب السياسيّين بل ميزانيات المستشفيات الحكومية. لا نستطيع دخولها لا بسبب الكلفة فقط، بل بسبب الجنسية وحالة المواطنة والأوراق الثبوتية أيضاً.

• لطالما كان النظام الصحّي ربحيّاً وكانت أرباحه عصيّةً على جيوب أولى القائمات على صحّتنا، أي الممرّضات اللواتي لا يعوَّض عملهنّ بطريقة كافية، كونه عملاً رعائيّاً مؤنّثاً، فلماذا ستدفع الدولة لقاء عمل تفترض أن تقوم به النساء بطريقة مجانية؟

• لطالما لم نستطع هجر بيوتنا هرباً من المعنِّفين. لم يكن هجرها واردًا، حتى قبل الحجر والكورونا، بسبب إيجارات البيوت المضاعفة بالتفقير والبطالة والمحسوبية.

• لطالما كان العمّال والعاملات يموتون يومياً: متى احتسَبنا المهندسون ضمن مجمل أكياس الإسمنت وأغراض البناء، متى استبقوا موت عدد منّا حتى لا تحاسب الشركة عليه، متى «انتحرت» عاملة منزل كلّ أسبوع.

حالة الطوارئ لدينا ثابتة، لا تسعفها التعبئة وخططها الإنقاذية، وهذا ما يتجاهله منطق العزل العام.

بات واضحاً أنّ مطالبنا ليست بعيدةً ولا ثانوية. لنا الآن أن نستعيد خططنا نحن، كأن يستعيد العمّال وسائل الإنتاج والمشرّدون البنايات الفارغة، وأن يأخذ كلّ صاحب حقٍّ حقَّه.