ليس للصحراء هنا بدايةٌ ولا نهاية

تتسرّب رمال الفراغ من فتحات الأبواب والشبابيك المُوصَدة، أهيمُ في صحراء القلق بين جدران العلبة السكَنيّة، ليس للصحراء هنا بِدايةٌ ولا نهاية، يَقولُ ليبوفِتسكي. أُمضي أيّامي بالمُماطلة والشرود، أعجز عن التماس الجدوى من الأفعال فلا أُؤتي إلّا بِقَليلها. أُبرِّر كسلي المُضْني بِنفحَةٍ وجوديَّة لِمُصالحة الذنب المُتَثاقِل.

على الرغم من وعيي لارتدادات سلوكي المَرَضيّ، أَتهرَّب مِن مسؤوليّاتي جميعها بالأعذار الكاذِبة المُتَحَذلِقَة والاختفاء الفُجائيِّ، أَتذكّر وَجهَ أُمّي كُلّما فَكَّرتُ بالهروب. ذات حُلمٍ، رَأَيتُني واقفةً في ساحة المواجهة، غازُ القَنابل يُغَبِّش الملامح فلا أَتعرّف على أَصحابها، يختفي صوت السعال والهتاف والضجيج، فتختفي مِن بَعده حدود المكان، كلُّ شيءٍ يتحوّل إلى سوادٍ أعظَم، أسقط فيه دون أن أصل قَعرَه. يُحلِّلُه النَفسانِيُّون على أَنَّه «اكْتئاب». أمّا الاقْتصاديّون، فاصطلحوا على تَسميَته بـ«الانهيار». لا فَرْق.


أتذكّر والديّ وشجاراتهِما المُتواصلة بسبب أوضاعنا الماديَّة كلّما دَخَلْتُ الدكّان لشراء الحاجِيات. أسترجع صوت أُمّي وَهي تَصْرُخ بأنّنا لن نتمكّن من الصّمود حتّى نهاية الشهر فيما ألاحظ ارتفاع الأسعار. أتخيّلها تَطْوي الحسابات المصرفيّة وتُرتِّبها على السرير كالغسيل، تُنَقِّبُ عن الأموال المهدورة بين حبّات البرغل بمثاليّة الأمومة، تُضْحِكني الفكرة. كانت تردّد مازِحَةً أنّنا بحاجة لسطلٍ كبيرٍ من الماء المَخْلوط بالمواد المُعَقَّمة، تَدْلِقه يدٌ إِلهيّة على البِلاد، فنُشمِّر عن زنودنا لنبدأ في «التِّعْزيلة».

أَحْمُد الله على موت أبي المريض قبل عَقدٍ من الزمن، سُبْحانَ الذي عافانا من الذلّ في الأزمة الصحيّة. أَتَذَكَّره عائداً من عَمَله كسائِق أُجْرَةٍ، يُقَدِّمُ لَها بضعة أُلوفٍ بانكساره الملحوظ، ويجْتَرُّ حجّته الوحيدة: «ما في شِغِل بالبلد». يَتسمّر أمام التلفاز مُقلِّباً بين المحطّات والسجائر لساعاتٍ بهَوَس المُدْمن، يُعَلِّق على كلّ جُملةٍ بِشتيمةٍ لاذعة أَو سخريةٍ لمّاحة، وأحياناً يبكي. تُقابِلُه بالاشمئزاز أو الشفقة بأحسن الأحوال.

لا أظنُّ أنّ أُمّي الأَجنَبِيَّة كانتْ تَفْهمه حقاً، لذلك ربّما كنتُ أشاركها الموقف سِرّاً. تَراهُ خائباً وعاجِزاً، يَهْدُرُ ذكاءه بتحليل الأخبار السياسيّة دون طائل بدلاً من السعي بمسؤوليَّةٍ وراء لقمة عَيْشنا، وكأَنّه يُقَنِّع فَشَلَهُ الماديَّ بفشل النظام السياسيّ- الاقتصاديّ. كانَتْ تَراني شَبيهَتَهُ، لا سيّما بانفعالِيَّتي العصبيّة، وأدرك الآن أنّها مُحِقَّةً بعد طول نُكران.


أتخيّلُني عالقةً في انتظارٍ أزليٍّ، خارج الزمان، حَيثُ لا يُدرَكُ الوقت بغير القَلَقِ، ويُرادف الانتظار العَجْز. متى يتحرّك الزمن لِنَبلُغ «المُستقبل المُلْغَى»؟ (بحسب توصيف فيشر، وتأكيد سلامة). يكبر الخَواء في جَوفي، يبتلعني والصحراء من حولي. لعلّه عجز الانفكاك عن حالة الاغتراب الفردانيّ داخلِ فُقاعاتِنا الاجتماعيَّة المُفترَضة، إذ لم تنفع شعارات الثورة الذاتيّة على وفرتها، حتّى أَنّ اللحظة الثورِيّة قد مُطَّت في نوستالجيا مفرَّغة من أيّ معنىً لتعوم خطابات لاسياسيّة مُفعمة بالعاطفيّة والشخْصَنة والفردانيَّة حدودها ردّ الفعل، في تَماهٍ متكامل مع اغتراب الأحزاب والحركات اليساريّة عن المُنظّمين/ات والمنتفضين/ات.

تجوز إحالة العجز إلى قُصورنا النسبيّ في تَخَيُّل «حقيقة مُختلفة» لواقعنا، وفي صُنعها، لا في رُكوننا إلى حقيقة السلطة وسرديّاتها المُشَوَّهة؛ لطالما شكَّلتْ ثيمة «الحقيقة» سُؤالاً مِحوَرِيّاً في السياسة اللبنانيّة، من مسلسل الاغتيالات والتفجيرات والمعارك إلى انفجار المرفأ فالانهيار الشامل، نَطوف حولها منذ جيلٍ أو أكثر دون ربٍّ مُجيب، تَحدُث الأَحداثُ ولا نُدْرك مُسَبِّباتها، نحاول «التأقلُم» بمُراكمة الأسئلة المُعلَّقة فوق الجُثَث.

على سيرة التأقلم، سألتُ رفيقي الاقتصاديّ عن تزايد استهلاك الأدوية المُهدِّئة والمُضادّة للاكتئاب والحشيش والمُخدّرات الرخيصة وتَبدُّل أسعارها في السوق السوداء خلال الحجرِ القَسريّ مع ارتفاع نسَب التعطُّل والتسرُّب الدراسيّ، لا إجابَة. إذ لا توجد أيّة دراسات دقيقة حول هذا الموضوعِ (أَو سواه) في دولة ثُقب المعلومات الأسود. أسمع الجيران يصرخون بين الفينة والأخرى، مَيَّزْتُ أحدَهم مرّةً يقول: «والله ما بقى فيني إتحمّل!». تذكّرتُ والدَيَّ، ارتعدتُ. أعرف نَوبات الغضب جيّداً، أُفضِّل نَمَط التحطيمِ رغم ما تُغْريني به فكرة الصراخ الجَماعيّ حتّى تتكسّر السماء مِن فوقنا لِتتناثر كزجاج المدينة. أسأل نفسي مؤخَّراً: ولكن ما جدوى الصراخ في العمل السياسيّ؟

مــــــلــــــف
قلــق السيـاســة

يعاين ملفّ «قلق السياسة» تداخل عالم السياسة بعالم النفس، من خلال عدد من النصوص، ترسم معالم قلق جماعيّ.

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان، طارق ابي سمرا
جدرانٌ تشفي، مارتين بجاني وهلا كرباج
الشارع بين المقاومة والانهزام، دارين أبو سعد
خوف من البشر واطمئنان للعملة: يوميّات من عالم ما قبل الانهيار، فادي بردويل
الانهيارُ على بُعد حائط، جنان نون
هذا ما جناه أبي (والنظام) عليّ، ريم منصور
ليس للصحراء هنا بداية ولا نهاية، فاطمة فؤاد
تناقضات الشخصية المتمرِّدة: قلق الجندر ومأزق الرجولة، مازن السيّد
أبي طريح فراش الموت: تحليل نفسي- نظري للطائفيّة، ناديا بو علي
رأس مال قلق، غالية السعداوي
عن بابٍ فتحتْه الانتفاضة ولم ندخله، سمير سكيني

تم نشر الملف في 10 نيسان 2021.


معالِجتي النفسيّة وجسر الرينغ

حتى بدأتُ أشعر أن معالجتي النفسية تغار من «الثورة». فصرتُ أخشى التكلّم عما يحدث معي في شوارع بيروت وعنفها الليلي، وكأنّ الثورة سرّ عليّ التستّر عليه كي لا أجرح مشاعرها. بدأ الصمت يسود بيننا، فقرّرتْ هي أن تأخد زمام الأمور وأن تخفف عدد الجلسات، كوني وجدت في هذا الحدث منفذًا لغضب كنت أجهل وجوده

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان

أَدْركَ لا بل تذكَّر أنّه حيوان سياسي. وأنّ لا حياة له خارج السياسة. وتذكّر أيضاً النعيمَ الذي كان يعيش فيه سابقاً، حين لم تكن السياسة تهديداً مُستمرّاً بالفناء، فكان يقدر على نسيانها لبعض مِن الوقت: كان لديه آنذاك حيِّز خاصّ به، عالمه الحميم الذي لا تقتحمه السياسة