ماكرون-رعد: عن «الثنائيّ» في المسألة اللبنانيّة

لعلّ ما سُرِّب من لقاء ماكرون- رعد خير دليل على المشكل الأساس في العلاقات اللبنانية- اللبنانية، وخير مؤشّر إلى الحائط المسدود الذي وصلت إليه المبادرة الفرنسيّة.

فأن يقول ماكرون مخاطباً حزب الله بأننا نعرف دوركم وعلاقاتكم، ولكن هل أنتم معنيّون ولديكم الرغبة بإنقاذ لبنان؟ هو واحد من تلك الأسئلة التي لا بدّ من نقاشها مع هذا الحزب ومناصريه، واستلحاقاً مع «أمل» ومناصريها. ولكن لكي يستقيم النقاش مع الثنائي، علينا أن نبتعد عن لغة اعتدناها من المحور السياسيّ المقابل وفهم تكوين هذَيْن الحزبَيْن في بيئتهما، لفهم طبيعة النقاش وتداخلاته.

مَن كان على تماس مع هذه البيئة يمكنه تقسيم المركّبات العامة لعلاقتها مع ظاهرتَيْ حزب الله وأمل إلى ثلاث نزعات:

أوّلاً، نزعة المساواة
لم يكن أهل جبل عامل ضمن الخارطة الأساسية لدولة لبنان الكبير (شأنهم شأن أهل أطراف أخرى)، ولكنهم استُلحقوا به. يروي الجنوبيون عن أجدادهم كيف كانوا يعرّجون على الشمال الفلسطيني لقضاء احتياجاتهم. فقد كانت تلك المنطقة امتداداً طبيعياً لهم إلى أن أصبحت فلسطين محتلّة.
فرض عليهم هذا التغيّر اللجوء إلى بيروت حيث عانوا شتّى أنواع التمييز، ولا سيما الطبقي. هذه اللا مساواة كانت سبباً في التحاق الكثير منهم بالأحزاب اليسارية حيث حاكت بعض قيمها كالعدالة الاجتماعية شعور الغبن المعاش. 

ثانياً، نزعةٌ تحرُّريّة
باحتلال جزء كبير من الجنوب اللبناني من قبل إسرائيل، تهجّرت غالبية سكان هذه المنطقة وانقطع الكثيرون منهم عن أراضيهم فتوزّعوا على مداخل بيروت يعيشون في بيوت فقيرة تاركين وراءهم زراعتهم وبيوتهم وأراضيهم. في تلك المرحلة، انخرط جزء ليس بقليل منهم بحركات المقاومة الفلسطينية وغيرها من حركات التحرّر، ليس فقط لاقتناعهم بأحقية القضية الفلسطينية، بل أيضاً لانتزاع ما لم توفّره لهم الدولة اللبنانية، إضافةً لشعورهم بخطر التهديد الإسرائيلي المباشر على طبيعة حياتهم.

ثالثاً، نزعةٌ دينيّةٌ ومذهبيّة
عُرف عن شيعة جبل عامل، منذ مئة عام وأكثر، نشاطهم الفقهي بما يخص المذهب الجعفري. فانتشرت في قرى الجنوب مدارس وعوائل فقهية كآل الأمين وشرف الدين وغيرهم، إلى أن شكّل ظهور موسى الصدر بداية تبلور مشروع سياسي. بخطاب إنساني وحقوقي وديني، حفَّز الصدر جزءاً كبيراً من شيعة لبنان للعمل السياسي والمطلبي والتفلُّت من الإقطاع المتمثّل بآل الأسعد وحمادة وعسيران وغيرهم.
مع اختفاء الإمام  الصدر العام 1978، دخلت «أمل» ومناصروها  بصفتهم الطائفية لا الإقطاعية إلى دائرة القرار السياسي تحت إشراف نبيه بري. ووجه ظهور حزب الله بمعارضة عنيفة في بيئته، وذهب نتيجة ذلك أكثر من ألفَيْ قتيل في معارك «الإخوة الأعداء». لاحقاً، ومع ضمور الاتحاد السوفياتي وأفول نجم الأحزاب اليسارية، استطاع حزب الله السيطرة على النزعة التحرّرية، كما استطاع  تحويل النزعة المذهبية في اتجاه آخرَ. فقد كان لتقديم ولاية الفقيه في الأدبيات المذهبية الشيعية بالغ الأثر في اختلاط النزعات الثلاث وتعقيدها. وأدّى استبدال المرجعيات الفقهية العاملية أو النجفية بالمرجعية الفقهية الإيرانية إلى تداخل الدين بالسياسة بالحماية والتحرير والسيطرة.


نحن هنا إذاً بصدد ثلاثة مفاهيم: المساواة والحماية والمذهبية.
في المسألتين الأولى والثانية، هناك هامش كبير للنقاش، إلا إن الصعوبة تكمن في المسألة الثالثة. فقد حوّل البُعد العقائدي لولاية الفقيه وظيفة الحماية إلى أداة لاستدامة التبعية، كما حوّل مطلب المساواة إلى قوّة هيمنة. فلو كان حزب الله حزباً متعدّد الطوائف مموَّلاً داخلياً، لما كانت المسألة بتعقيد كونه حزباً ذا لون مذهبي واحد، تقبع مرجعيّته الفقهية والمالية على رأس الهرم في دولة أخرى.

وعليه، وبالرغم ممّا يمكن اعتباره خصومةً ومآخذ على سلاح تمتلكه فئة من اللبنانيين حصراً، إلا أنّه علينا حين نودّ مناقشة دوره وحدوده ومستقبله أن نأخذ النزعات الآنفة الذكر بالحسبان. فأن تكون ولدتَ في وسط مهمّش، وأن تكون من منطقة احتُلَّت وحُرِّمَت عليك لعقدين من الزمن، وأن تكون قد رأيتَ أهلك وذويك يقفون في شمس الصيف في ساحة القرية بانتظار عميل مقنَّع ليفتن ببعضهم، فهذه ليست قصصاً متخيَّلة. إنّها قصص عاشها أهل الجنوب وقاوموها لفترة طويلة، فرسخت في أذهانهن وأذهان أبنائهم.

بيد أنّ ما يجعل النقاش مُنهِكاً هو ذلك التوجّس القاتل لدى جماهير الثنائي ممَّن يحاول مساءلة ممارساتهما. فإذا سلّمنا جدلاً بأنه ليس بمقدور أحد اليوم، ولا ضمن أجندته، نزع السلاح بالقوة،
كيف لنا أن نفتح مع حزب الله نقاشاً حول مفهوم المساواة والحماية؟
كيف لنا أن نفصل في العمل السياسي بين ما هو ديني وما هو دنيوي في مجتمع متعدّد المعتقدات؟
كيف لنا أن نغضّ النظر عن أموال تأتي من الخارج لتدفع ثمن سلاح ورواتب مقاتلين دون أن نسأل عن الأثمان في المقابل؟
كيف لنا أن نقبل ممارسةً أقلّ ما يقال فيها بأنها فوقية بالتعامل مع من يختلفون معهم بالرأي؟

لعلّ كلّ هذه الأسئلة افتتحها ماكرون بسؤاله: هل تعتبرون أنفسكم معنيّين بإنقاذ لبنان؟
إنّها أسئلة ليست سهلة، ولا شكّ أنّ صعوبتها تزداد حين تُطرَح مِن قِبَل لبنانيّين يريدون العيش مع من ينتظرون منهم إجابات، وليس مِن قِبَل زائر يرى فينا فرصة في سياقات دولية.