ما بعد الانهيار

يهلّ علينا الكورونا، من بعد الزبالة والحرائق والسرطانات والجوع، كحدث توراتي يواكب نهاية عالم ما. تُعَنْون رويترز في اليوم نفسه على التراجع الصيني الكبير في سباق تقنية الـ5G نتيجة التعقيدات الاقتصادية للفيروس نفسه. هذا أيضاً خبر عن نهاية عالم ما، عن ثورة تكنولوجية في طريقها إلى تغيير شكل الاقتصاد العالمي، وعن حرب محتدمة حول ولادة هذا العالم الجديد. محدلة أخرى تمرّ علينا ونحن لم نستفق بعد من صفعة الثورة الصناعية.

منشغلون نحن بالسقوط. نفاوضه، نوصّفه، نفكّكه، ننشغل به عن النظر مليّاً إلى القاع. والقعر الذي نتّجه صوبه سريعاً ليس مجرّد نهاية حزينة لأزمة اقتصادية عابرة، بل مصيرنا الذي يُكتَب الآن وموقعنا الذي يُحسم الآن في عالم جديد. ما تأخذنا السلطة إليه في هذا العالم هو العصر الحجري الذي لطالما توعّدنا به نتنياهو. أما الثورة، فامتحانها التاريخي أن تنتج الرؤية التي ستشدّنا في الاتجاه المعاكس.

ليس الإحباط الذي يواكب مراحل الجزر في الموجات الثورية سوى دعوة إلى سدّ الفراغ في الحُلُم. لأنّ الحلم الواضح والانخراط فيه يوجّهان النظر نحو القدرة على تحويل العالم بدل الغرق في مواطن عصيانه على التحويل. 

في أحد أوّل خطاباته بعد اندلاع الثورة، بدا الأمين العام لحزب الله خارج السياق حين تحدّث عمّا فحواه نقل ارتباط الاقتصاد اللبناني من أميركا إلى الصين. ولكنّ المضمر في حديثه هو أنّ عصر التعايش بين حزب الله وبين اقتصاد لبناني مُدَوْلر ومُتأمْرك بالكامل يلفظ أنفاسه الأخيرة. لأنّ قواعد الاشتباك العالمية بين أميركا والصين وكلّ من حلفائهما، لم تعد تسمح بذلك.

بدا نصر الله حالماً في طرحه كما في حديثه عن المقاطعة، على طرف نقيض من الواقعية القصوى التي مارسها حزبه خلال العقد الأخير في الداخل والخارج. لكنّ الحلم بإعادة تصوُّر النموذج اللبناني برمّته أصبح الآن ضرورة واقعية لا بدّ من مقاربتها. 

إنّ قضية النظام اللبناني ليست منفصلة عن قضية النظام العالمي، ولا يمكن لثورتنا أن تصنع الرؤية بمعزل عن العالم. كان نظامنا المصرفي يسدّ حاجةً إقليميةً تلاشتْ تماماً مع لبْرَلة الأسواق وصعود الدور الإماراتي. كان اقتصادنا الثقافي- السياحي استثناءً إقليمياً، فصار اليوم أقلّ حيوية من كل جيرانه. والمقبل أسوأ، لأن الثورة المنطلقة في مجال الذكاء الاصطناعي ستقضي سريعاً على أسطورة «الاقتصاد الخدماتي» التي نتشرّبها منذ الصغر.

بمعنى آخر، تلاشت كلّ الأوهام التي غذّتْها الماكينة الاستغلالية الحاكمة. وما تبقّى خطوات سريعة نحو ما يصفه كاي فو لي، رئيس غوغل في الصين سابقاً وأبرز خبراء الذكاء الاصطناعي عالمياً، في كتابه «أكبر طفرة في التاريخ»:

ستحرم الأتمتة (استبدال العمال البشر بالذكاء الاصطناعي) البلدان النامية من القوة الاقتصادية الوحيدة لديها، أي اليد العاملة الرخيصة…وستُمنع البلدان الفقيرة من اتباع الدرب الذي سلكته «النمور الآسيوية» مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة لبناء اقتصاد مزدهر وموجه نحو التكنولوجيا. سنشهد بزوغ اقتصادٍ لن يترك فيه الرابح أي منافس، وتركيزاً غير مسبوق للثروات في خزائن عصبة من الشركات الصينية والأميركية.

يكفينا أن نلتقط بعض المشاهد من مناوشات العونيّين والجنبلاطيّين أمام مصرف لبنان أوّل من أمس، لنفهم العصر الحجري الذي يأخذنا إليه هؤلاء بخطى ثابتة. يكفينا لنفهم ألا فرصة لدينا في الأدغال العالمية الجديدة بطاقم حكم كهذا، سماته النهب والمحاصصة وانعدام الكفاءة. 

ما نحتاجه ليس مفاضلةً بين تسديد الديون على حساب المودعين وإعادة جدولة الديون مقابل بيع البلاد ومستقبلها. بل نحتاج رؤية اقتصادية مبتكرة تحمينا، لا من الانهيار الحالي فحسب، بل من إرهاصات الاقتصاد العالمي الجديد وما يواكبه من توازنات سياسية. نحتاج قوة سياسية ثورية تحمل هذه الرؤية إلى ما بعد بعد الانهيار.