ما بعد

سيكون هناك ما بعد، لا محال. لن تُباد البشرية، ليس بعد.

كوارث عديدة وفظائع كثيرة تخلّلت تاريخنا. هذا التاريخ الذي- كما نعرف جميعاً- يُكتب وتُعاد كتابته، أو يُحذَف منه، على يد المنتصرين. وهناك دوماً منتصرون.

سواء في الصراعات الاجتماعية أو الحروب أو الكوارث «الطبيعيّة» أو الأوبئة، تجد القوى السياسية أو المالية أو الصناعية أو الدينية دائماً، مجتمعةً أو كلاً على حدة، السبيل أو السبل كي تنهض مجدّداً وكي تستفيد منها. فهذا يعيد إحياءها! نحن ومن بعدنا الطوفان، نحن، أيضاً وأيضاً!

نعم، لقد بدأوا التفكير في الـ«ما بعد». لا يهمّهم إن أفلت منهم الحاضر جزئياً أو كلياً. همّهم الوحيد هو إعادة إحياء اقتصادهم ونظامهم المتوعّك.

ومثل السحر، تتوفّر المليارات الناقصة فجأةً، وتنطلق بزخم آلة صكّ النقود، هذه الآلة التي رفضوا من قبل تشغيلها من «فراغ». ليس لأجلكم أيّها الرفاق، أنتم ذوي الدخل المحدود، أنتم من يسير على حبل مشدود، أنتم المتأخّرين والمهمَّشين، يعطونكم القليل ربّما أو ربّما البقايا كصدقة؛ لا، هدفهم الأكبر والأساسي هو الآلة الإنتاجية الكبرى: الأفعى المتعدّدة الرؤوس. يجب ألا تتوقف، يجب أن يُعاد إطلاقها بسرعة، بسرعة كبيرة، ما إن تمرّ هذه «الأزمة».

يجب ألا يتوقّف أيّ شيء، وألا يُعاد النظر بأيّ شيء، ربّما مجرّد مراجعةٍ لاستراتيجيةٍ معيّنة أو تطوير لنظام معيّن فحسب، لكن مع احترام دائم للمعايير المفروضة، وربّما، بل بالتأكيد، استخلاص الدروس من القاعدة المخابراتية المذهلة للبيانات والملفّات التي طبّقها ما يُسمّى الحزب الشيوعي الصيني. المستقبل بات هنا! فلتخبُ بسرعة آمال البيئة، نعم، بيئتنا نحن، وبيئة كلّ الأنواع الأخرى التي لا تزال قيدَ الحياة، والتي استفادت من فترة راحة استثنائية وغير متوقّعة.

بالطبع، سيكون هناك «ما بعد». وبالفعل، «هم» سبقونا في هذا الاتجاه.

أسلحتهم، نعرفها جيّداً. قدراتهم، المتضائلة، نعرفها جيّداً. حِيَلهم وخداعهم، نعرفها جيّداً. ليس باستطاعتهم مفاجأتنا، خاصةً في زاويتنا هذه من البحر المتوسط. حتّى تعاطفهم، أكان صادقاً أم لا، بوجه هذا العدوّ الداخلي الذي لا نستطيع وضع اليد عليه، حتّى قدرتهم على قول النقيض ومعاكسة كلّ ما لم ينفكّوا عن تطبيقه على مدى عقود، ليس باستطاعتهم مفاجأتنا.

كلّ هذا، ليس باستطاعتنا إلا أن نراه. هذا الوباء ينشّطهم، يعيد اليهم الروح! إنّها نعمة. أكانوا يُمسكون مباشرةً أم لا، رسمياً أم لا، بمقاليد السلطة، ها هم يغتنمون الفرصة لاستعادة السيطرة على «منطقتهم» وعلى «قطيعهم»، كي يعزّزوا هذه التبعيّة لهم أكثر من أيّ وقتٍ مضى. التبعية العمياء للأب الصالح المستبدّ وللعصبيّة المحلية. وها هم يتسابقون لمحاولة الحصول على النعم الحسنة، كي لا نقول النوايا الحسنة، من السلطات الدولية أو من أولياء المال.

لقد أصبحوا في مرحلة الـ«ما بعد»، مقتنعين بأنّ شدّة إرهاقنا ستمنعنا من متابعة النضال، ستمنعنا من التفكير بأيّ شيء غير محاولة التقاط أنفاسنا، ستمنعنا من التفكير بأيّ شيء غير الخروج من هذه الورطة بسرعة أو بأيّ ثمن.

لا ينفكّون عن تذكيرنا بأنّ لولاهم لكان الوضع أسوأ، الفوضى الدائمة! بالتأكيد، إنّهم يعلمون أنّنا ما عدنا نصدّقهم، أنّ أعيُنَنا أصبحت مفتّحة، لكن ليس لديهم سوى خيارٍ وحيد يتقنونه جيّداً: الاحتيال والمناورة والمراقبة والتهديد والمعاقبة والإخضاع والاستغلال وحياكة المؤامرات والاختلاس والإتلاف والإفساد والعديد من الأفعال الأخرى من هذا القبيل. إنّه هروبهم الأبديّ إلى الأمام.

هم الأعداءُ الحقيقيّون. هكذا كانوا دائماً، الأعداءَ الحقيقيّين.

وهنا نقول لأعدائنا: لن تحكمونا دوماً.

لربما كان سلاحنا الفعلي، سلاحنا الوحيد، هو أن ننزل إلى الشارع، أن نعانق بعضنا بعضاً، كلّنا، جميعاً، جسداً واحداً، كبيراً، ضخماً، غير محتمل الوجود. أن نضمّ بعضنا بعضاً، ليس بزخم عاطفي جماعي غير محتمل هو الآخر، وليس باعتماد الطريقة الإنكليزية وداروينيّتها الصارمة، ولكن في مقاربة مطلقة وحتى جنونيّة: «لا شيء أو كلّ شيء».

إمّا أن نسقط جميعاً دفعةً واحدة، وإمّا في نهاية الأمر، نضحى بعيداً من متناول هذا الفيروس. وفي خضمّ ذلك، وكأنّنا إنسانٌ واحد، نندفع مباشرةً باتّجاه مجلس النوّاب والوزارات والمؤسّسات الحكوميّة، ومنازل كلّ القادة، والقيادات العامة للمصارف (المصرف المركزي والمصارف الخاصة) ونطيح بها، واحدةً تلو الأخرى، دون أيّ استثناء. موجةٌ بشريّةٌ فعليّةٌ حقيقيّة! وسنرى بعد ذلك كيف سنتوصّل إلى إعادة ابتكار الحياة على هذه الأرض، بالكامل، تامّةً، فرديّةً وجماعيّة.

إلى الحياة أو إلى الموت!

(ترجمة ألين جباره)