ما سرّ تعلّقنا بك بسّام سابا؟

أطلعُ في الأمطار

في البرق الأزرق

في النسمة، في الإعصار

حلول، سميح القاسم/ فرقة الأرض

 

عدت الى صور بسام سابا، لا إلى موسيقاه، فور سماعي خبر رحيله. والأصحّ أنني لم أعد. فلم يكن ذلك فعلاً إراديّاً. وجدت نفسي متسمِّراً أمامها، أحدّق مذهولاً ببسام ينظر بصمت إلى العالم. هل هكذا يتكلّم الفقدان؟ يقلب العالم، فيسكننا هاجس التأكد أن الغائب كان هنا بالفعل. وقد عرفناه حقّاً، في نبرة صوته، في حركة جسده، في ابتسامته. أو ربما ننظر وننظر مجدّداً لمحاولة فكّ سرّ وجود من كان بيننا يوماً وسرّ تعلّقنا به؟ وتلك أسئلة لا تسكن الواحد منّا وتلحّ عليه إلّا بعد الغياب الذي يجعل صاحبه أكثر حضوراً في حياة من تركهم وراءه. يلملمون ذكريات تعيد تشكيل ملامحه ونفوسهم الحزينة.

لا زيف في صور بسّام. لا شيء مصطنع. تكاد ترشح روحه الشفّافة، الرقيقة من ثناياها. أنظر إليه ينظر إلينا فأكاد ألمس طيبته وخفره. تطلّ منها لياقته التي لا صلة لها بقواعد الإتيكيت الاجتماعية. لياقة ليست إلّا أحد الأشكال الظاهرة لمعدن رجل كان طاقة غير متناهية من العطف والكرم. قدرة هائلة على الإنصات للآخرين والاهتمام بهم مقرونة بنكران كامل للذات. ما بين العزف والتنويط والتوزيع والتسجيل وقيادة الأوركسترا العربية في نيويورك والتعليم المتواصل للناي والعود والكمنجة والبزق والفلوت والساز، قبل عودته من الولايات المتحدّة لقيادة الكونسرفتوار، كان يخيّل لي أن بسّام سابا نسي أن له نفساً وذاتاً يجب الاعتناء بهما.

هبط سابا على كوكبنا من عالم آخر لا يعرف الذات ولم يسمع بمفهوم المصلحة الشخصيّة. ولم تكن سخريته البريئة الدائمة إلّا إحدى علامات معارضته لواقع العالم وإعلان انشقاق يتّخذ من النكتة سلاحاً. لكن السخرية لم تقوَ على حجب حزن العينين الدفين وحنين إلى عالم مضى لازماه كظلّه. ولا تعارض في تلازم السخرية والحنين اللذين يشير كلٌّ منهما على طريقته إلى رغبة صاحبهما بإعلان عدم الانتماء الكامل إلى العالم والحاضر.


لم ينتمِ بسّام سابا إلّا إلى الموسيقى. سكنتْه. أعطاها عمره. أغناها. نقلها. جدّدها. قد تبدو هذه الجمل كليشيهات معلوكة. إلّا أنها ليست كذلك في حالة بسّام. لا أجد تعابير أكثر دقّة وصدقاً عن أحد ألمع الموسيقيين المعاصرين. فكان ما إن يمسّ أي آلة من آلاته الكثيرة حتّى يجعلها تنطق جملاً تصيب القلب مباشرةً. جملاً كتلك التي أطلقها في تقسيمة ناي طويلة وسط أغنيّة يا بحريّة في حفلة قديمة لفرقة الميادين بعد صولو البداية الأخّاذ لتوفيق فرّوخ، رفيق دربه منذ بدايات فرقة الأرض، على السوبرانو ساكسوفون. تقسيمة تخللتها عدّة قفلات خطفت أنفاس جمهور اختبر رحلة بمحطات كثيرة وغير متوقّعة. فعلا التصفيق وانهمرت دموع حيّرت مصوّر الحفلة الذي نقّل عدسته بين أصابع بسّام سابا ومن سكنتهم موسيقاه فاستسلموا لدموع داهمتهم وسط الحشود.

لم يسعَ بسّام سابا العازف يوماً إلى إبهار من يستمع إليه من خلال استعراض قدراته التقنيّة. على العكس من ذلك، سخّر التقنيّة التي ملكها من خلال تعمّقه في دراسة خصوصيّة كلّ واحدة من آلاته، لخدمة روح الموسيقى. فكان يحثّ طلّابه على الانتباه الدائم لنبرة الآلة وزخرفاتها، وخصوصيّة الشكل الموسيقي (سماعي، مقدّمة موسيقيّة، فولكلور، أغنية)، وبنية اللحن ما بين السؤال والجواب، وديناميكيّات الصعود والهبوط. حضّهم على إقامة علاقة جدليّة بين آلتهم والقطع التي يعزفونها. يتعرّفون إلى خصائص الآلة من خلال القطعة الموسيقيّة والعكس. كما دفعهم إلى إدراك علاقة الجملة اللحنيّة بالإيقاع والاحساس به عند عزفهم. فعمل مع الطلّاب على تطوير تقنيّات مختلفة للريشة (آلات النقر) والقوس والنفس (آلات السحب) لكي يلتقطوا نبض الموسيقى (الغروف). لم تكن الإحاطة بكلّ تلك الجوانب نابعة من نظرة انضباطيّة للموسيقى تسعى إلى سنّ قوانين صارمة لكيفيّة العزف، بل صدرت عن امانة لروح القطعة وهمّ أساسي لازمه دائماً هو تطوير مفردات اللغة الموسيقيّة وإغناء ألوانها وظلالها التي منها تكتسب الموسيقى عمقها وقدرتها على المسّ.

أخفت رشاقة عزف سابا- الهادئ بلا رخاوة والسريع بلا صخب- واحساس جمله التي تدخل القلب بلا استئذان، بحراً من العلم. بحراً سعى دائماً إلى تطويره فاستفاد من تعمقّه في فهم فيزياء الصوت على الفلوت خلال دراساته العليا في موسكو لمقاربة صوت الناي وطرق استخراجه. كما عمل بلا كلل، وأحياناً بلا مقابل، لنقل معرفته بأمانة وشغف لطلّابه. بحراً لم يسعَ يوماً لتحويله إلى رأسمال يستثمره أو سلطة يمارسها على من لا يملكونه. ولم يضاهِ اتّساع علمه الموسيقي إلّا عمق تواضعه الشخصي.


موسيقى كلاسيكيّة. جاز. موسيقى العصر العثماني. فولكلور مشرقي. موسيقى روسيّة. موسيقى العصر الذهبي. الرحابنة. تجارب الموسيقى الملتزمة اللبنانيّة التي شارك فيها (فرقة الأرض، مارسيل خليفة والميادين، زياد الرحباني). بالإضافة إلى عمله مع فيروز ويويو ما وسيمون شاهين، وآخرين كثر ككوينسي جونز وستينغ ودانييل شنايدر. تنقّل سابا بخفّة وحرفيّة بين عوالم موسيقيّة متعدّدة أعقد وأغنى بكثير من اختزالها بثنائية وصل الشرق بالغرب. اختزن تراثاً موسيقيّاً هائلاً ساهم بصياغة شخصيّته الموسيقيّة التي لم تغرق في الإيديولوجيا. فلم يُصب بعقد الدونيّة الثقافيّة التي تنظر إلى الموسيقى الغربيّة كقمّة الإبداع. فلا ترى خلاصاً لموسيقى الشرق إلّا بالتمثّل بها وبأشكالها. كما لم ينظر إلى موسيقانا كأحد حقول الصراع مع الغرب هدفها استعادة أصالة مفقودة ومنشودة. وأزعم أن حريّته الموسيقيّة لم يكن مصدرها أيديولوجي أيضاً، هو القادم من قلب اليسار اللبناني وتجاربه الموسيقيّة المتعدّدة. بل ببساطة، من جمال الموسيقى. وما يولّده ذلك الجمال. دهشة. رهبة. انجذاب. جلال. شغف.

لم يؤلّف سابا كثيراً. إلّا أنّ ما ألفّه أصدق دليل على أنه كان عوالم موسيقيّة كثيرة بجسدٍ واحد. فحملت فالس لأبي صدى الموسيقى الروسيّة، ونهل لحن وندرفول لاند، الذي عزفه على الساز، من فولكلور الشمال السوري الذي انتقل إليه عبر الذاكرة العائلية. أمّا رائعته تعا نمشي عالقمر، فتستعيد حنينه إلى طفولته في قرى الشمال اللبناني وتستعير عنوانها من جملة ردّدتها والدته له حينها. لم يضع يوماً أشكالاً موسيقيّة مختلفة، درسها على الورق في المعاهد، في خلّاط لينتج شكلاً هجيناً، مدرسيّاً، بلا روح. بل ذابت كلّ تلك التجارب الحياتّية والموسيقيّة فيه. شكّلته. ثمّ أعاد صياغتها. فخرج المشترك العام الموسيقي الذي مسّ بسحره قلوباً لا تجمعها لغة وهويّة من فرادة تجربة شخصيّة حميمة، اختزنتها طبقات الذاكرة صوراً وجملاً وأنغاماً.


تردّدت كثيراً قبل أن حسم أمري بضرورة الكتابة عن النظام. فهناك شيءٌ ما في داخلي يقاوم تواجد النظام وبسّام سابا في نفس الجملة. استحضار النظام يلوّث ذكرى الموسيقي الشريف. لكن هناك شيءٌ ما أيضاً في داخلي يقاوم الاستسلام لفكرة أن بسّام سابا سقط ضحيّة فيروس كورونا، فقط لا غير. هل فعلاً النظام الذي لم يدفع له أيّاً من معاشاته إثر تعيينه رئيساً للكونسرفتوار منذ ما يقارب السنتين بريء؟ ألم يؤثّر الإذلال اليومي على جهاز مناعته؟ هل كان قد تمكّن الفيروس منه لو لم يُحرَم من أبسط حقوقه؟ هل لم يسقط أيضاً ضحيّة نظام كبّله وحرمه أبسط مقوّمات العيش الكريم؟ لو كان رحيل بسّام عنا قضاءً وقدراً، لما امتزج الحزن بالغضب. من يغضب من القدر؟


ما سرّ تعلّقنا ببسام؟ ما زلت لا أدري تماماً. لكنه حتماً مرتبط بنقاوة روحه التي كسرت ما يتلازم عادةً في حياة البشر العاديّين. عطاء بلا مقابل. احتضان بلا تأديب. مرجع بلا سلطويّة. معلّم بلا أستذة. ألمعيّة بلا إبهار.

تجسّدت روح الموسيقى ببسام سابا. فكرّس عمره لخدمتها ونسي أنّ له جسداً ونفساً. وها هي الآن تنبض حياةً مع كلّ نقرة وتر لأحد طلّابه، وكلّ نفَس يسحبه مَن حالفه حظّ لقاء ساحر الصوت النبيل.

ميشال مرهج بقلوق: رِقّ الرحبانة وإيقاع الروح وداعًا

لا يتصدّر عازفو الإيقاع المشهد عادةً وميشال مرهج بقلوق المقدسيّ- البيروتيّ- النيويوركيّ الذي غادرنا يوم أمس مع الرحابنة وفيروز الذين التقاهم بُعيد انتقاله إلى بيروت في الخمسينيات في مدرسة سيمون شاهين الصيفية للموسيقى العربية شيخ الموسيقيين الذي هاجر إلى الولايات المتحدّة سنة 1989