مجدَّداً

عادت الرسائل الهاتفيّة «مجدّداً»، ومعها صور المرفأ يشتعل ورائحة الحريق في شوارع العاصمة… عادت لأنّنا عشناها منذ شهر، في تمام الساعة السادسة والثماني دقائق من تاريخ الرابع من آب. نعرف هذه الرائحة جيدًا، ونتذكّر منظر الدخان الأسود. صور الحريق محفورة في جهازنا العصبي، والخوف، هذا الخوف، لم يفارقنا للحظة منذ شهر. لم يحترق المرفأ اليوم، بل احترق «مجدّداً»، ليعيد إنعاش حالة التروما الجماعية، ليطبّعها، ليؤكّد أنّ هذا بات «الطبيعي» و«المتوقّع» في بلد تحكمه هذه الزمرة من القتلة الحقيرين. فهم ليسوا قتلة فحسب، بل حقيرون أيضاً، حاولوا أن يعرقلوا عملية الإنقاذ للدفاع عن سيادة بلديّتهم، وسرقوا الشاي ليوزّعوه على ميليشياتهم، وحوّروا التحقيق لحماية أزلامهم.

«مجدّداً»، احترق المرفأ. وفي هذا الترداد فضيحة سياسية تطال الجميع. فالمرفأ اليوم مسرح جريمة، يُفترَض أنّه يخضع لأقصى الترتيبات الأمنية. لقد شهد هذا المرفأ أكبر تفجير في تاريخ لبنان، ما يدفعنا للاعتقاد بأنّ أبسط شروط السلامة قد تأمّنت لمنع تكرار هذه المأساة. كما يخضع هذا المرفأ اليوم، كسائر العاصمة، لحالة طوارئ فرضها الجيش لمحاولة إضفاء بعضٍ من الهيبة على النظام المهترئ. هذا كلّه لم يمنع تكرار الحوادث، كالعثور على أربعة أطنان من نترات الأمونيوم في حاوية في المرفأ أو اندلاع حريقَيْن في أقلّ من ثمانٍ وأربعين ساعة. لم يعد مهمّاً مَن كان يعلم هذه المرة، فالمآسي لا تحدث إلّا برعايتهم، وتحت سيطرتهم، وبمعرفتهم، وتحت حماية حالة طوارئ جيشهم.

لم يحترق المرفأ «مجدّداً» فحسب، بل احترق مرّةً ثانية لأنّهم تمكّنوا من الإفلات من العقاب. فلم تحتَجْ هذه الزمرة من اللصوص لأكثر من شهر لكي تسيطر على المفاعيل السياسية لعملية الإجرام التي قامت بها في الرابع من آب. أقالوا حكومة البروفيسور الأبله، وعيّنوا قاضي تحقيق مقرّباً من الأجهزة، وسلّموا الجيش مسؤولية الأمن، وبدأوا عملية تحويل المجزرة إلى «فرصة». جاءهم الخلاص من عند هذا المنتدب التافه الذي اعتقد أن زيارته لفيروز كفيلة بتأمين أطماعه الاستشراقية. وكي يتأكّد الجميع أن هذه الجريمة ستمرّ مرور الكرام، اختاروا موظّفاً مطيعاً عند سياسيّ مطيع ليترأس هذه المرحلة. وعندما ارتاح رئيس هذا النظام على الوضع، ذهب وسرق الشاي. هذا الحريق الجديد هو نتيجة هذا الشهر، وليس نتيجة عقود من الفساد. هو نتيجة تهرّبهم من العقاب، تهرّب جاء برعاية فرنسية هذه المرّة.

ليس مهمّاً الأسباب وراء اندلاع الحريق الجديد، أكانت تلحيماً أو عملاً مفتعلاً لأسباب تتعلق بسياسات التأمين أو حتى عملاً مدبّراً للتخريب بمسرح الجريمة. فالفارق بين عمل مدبّر وعمل غير مفتعل لم يعد له أي معنى في حالة الاهتراء الحالية. فالإجرام لم يعد يحتاج إلى دافع أو نيّة، بات في صلب عمل هذا النظام، النتيجة الحتمية لأيّ تسلسل أحداث عشوائية. فمع الحريق الجديد، انتهى التحقيق، ويمكن لفادي صوّان أن يستقيل ويعود إلى هوايته المفضلة، أي الدفاع عن الأجهزة. باتت الحقيقة واضحة: ما دام هذا النظام قائماً، القتل سيستمرّ.

أن يحترق المرفأ «مجدّداً» يعني أنّه سيحترق مجدّداً، غداً أو بعد أسبوع، يعني أنّ كل شيء بات عرضةً للاحتراق، أنّ كلّ شيء سيحترق… «مجدّداً».

فقاعتنا والانفجار

كأنّ الـ52 مفقوداً لم يوجدوا يوماً ما تبقى من قصة يحاولون إقناع أنفسهم بها هذه هي إذاً الإهراءات ويقال عنّا إنّنا صامدون لعلّها خبّأت سذاجتنا في التعاطي مع السلطة

وداعًا للّغة

يُلَوْفِكون الموضوع ويتقاذفونه ويحذّرون ممّا يمكن أن يحدث أتخيَّل شباباً يلحمون فجوة في حائط عنبر الأمونيوم، وأهلع مثلما هرَّبوا أموالهم، وتلاعبوا بأرزاق اللبنانيين ومدّخراتهم حتى لغتهم بمفرداتها هذه بائسة ومجرمة لا نستحق على الإطلاق لا انتظارنا، ولا صدمتنا المقيمة، ولا حزننا، ولا غضبنا.