مجيء العقاب وسُبُل الخلاص في زمن الوباء

سيارات تجوب منطقة القبّة في طرابلس تدعو المسلمين إلى التوبة.

مطران وقساوسة من الروم الأرثوذكس يرفضون إقفال كنائس أمام المصلّين.

مؤمنون موارنة يطلبون إيصال تراب مار شربل الى مستشفى رفيق الحريري.

قدّاس في عجلتون يتوقّف بعد رفض حاضرين التناول باليد حسب التوصيات الأخيرة لقرار المطارنة الموارنة.

مؤمنون مسلمون من أهل السنّة في بيروت والبقاع وطرابلس يتحدّون قرار دار الفتوى إقفال المساجد فيقيمون صلاة جماعة.

في كلّ مكان بتنا نرى ما يمكن وصفه برفض جزء من الجمهور المتديّن لقرارات سلطته الدينية بإقفال أمكنة التجمّعات التي تحدث فيها شعائر جماعية. لا يزال هذا الجزء صغيرًا، لكنّه مرشّح للازدياد إذا ما ارتفعت حدّة الإحساس بالقلق.

تختلف طرق التعبير الشعائرية بحسب الاختلاف التفاضلي بين أساليب التديّن ومسالكها المعمّرة وخطوط التوتّر التي تشقّها داخلياً في المؤسسات الدينية المختلفة كما سياقاتها الخارجية، أي بين هؤلاء الفاعلين وسلطتهم السياسية.

«صلاة جماعة» لمؤمنين يصطفّون على الأرصفة في أفقر مدينة على البحر الأبيض المتوسّط إسمها طرابلس، هي آخر تعبير ممكن عن البؤس النفسي لفقراء مسلمين لم يبقَ لديهم سوى اللجوء لهذه العِدّة الخلاصية، ألا وهي تعبُّد أكثر مقابل ما يرونه تكالباً ضدّهم من «أهل الدنيا»، قوامه تقاعس لممثّليهم الدينيّين والدنيويّين الرسميّين. لا يحدث هذا في مكّة نفسها مثلاً، وهي المركز التاريخي والروحي للإسلام، حيث أمرت الحكومة السعودية بوقف العمرة مؤقتاً لكنّها أمرت في المقابل بصرف مساعدات هائلة للقائمين فيها سواء كانوا بإقامة أم من دونها.

وإذا كانت «العودة إلى الدين» أو الأيديولوجيا السلفية في الإسلام السنّي هي الراية التي يرفعها مناهضو السلطة الرسمية للخروج عليها في أوقات الأزمات، وهنا لا نعني السلفية بالمعنى السياسي حصراً، قائلين بأنّ «مصيبة الكورونا» هي «عقاب من الله» ممّا يستلزم مزيداً من الضبط الجسدي والفكري للمؤمنين، فإنّ هذا النمط من الإحياء السلفي لم يكن يوماً حكراً على الإسلام. اللوثرية بكونها ثورة العودة إلى الاصول هي مثال آخر بين أمثلة عدّة في تاريخ المسيحية.


يفسح هذا المجال للكلام عن التعامل الأداتيّ للسلطة الدينية مع تديّن الناس وأولويّاتها السياسية. فنرى مثلاً أنّ النظام الإيراني الثيوقراطي أبقى على فتح المراقد في مدينة قُم لأشهر بعد ظهور الوباء في الصين ممّا ساهم بنشر الوباء في ايران وخارجها عبر الحجّاج المتوافدين من البلدان المحيطة وإليها. وفي المقابل، فإنّ بابا الفاتيكان وهو أعلى سلطة مسيحية في الكنيسة الكاثوليكية، بدأ يبثّ صلواته وقداديسه من خلف الشاشة. يعني ذلك أنّه كما أنّ الاختلاف التفاضلي بين المؤمنين من الأديان يلعب دوراً في خلق تمظهرات التديّن، فإنّ هناك اختلافات بين درجات التقدّم النسبي التي تحقّقها المؤسسة الدينية، على الاقلّ الشريحة المهيمنة فيها، على سلّم عَلمَنة فهمها لهذا العالم.

في لبنان، لعبت الكنيسة المارونية دور الكنيسة «القوميّة» للموارنة في تماهيها مع الوطنية اللبنانية ضدّ الأيديولوجيا العربية والتيارات السياسية العلمانية، وقد كان للقديس شربل دور في ذلك. لذا، فإنّ الكلام على أنّ كل مرضى مستشفى رفيق الحريري، أي مسلمين ومسيحيين، «يطالبون بتراب القديس شربل»، هي عملية تروم في اللاوعي الماروني، الإثبات بأنّه دليل آخر على تفوّق المسيحيّة على الإسلام، في حين أنّ المسلم الذي يقبل هذا يعتبر بأنّه يثبت بذلك تسامحه الدينيّ المتفوّق.

أمّا في الحالة المسيحية الأرثوذكسية، فيتمّ تصوير الكورونا على أنّها جائحة تثبت بأنّ الربّ «يمتحننا في إيماننا»، ممّا يوافق مصلحة تيار سلفي أرثوذكسي يناهض فهماً مهيمناً في الكنيسة الأرثوذكسية اللبنانية لا يرى العقل متضارباً مع المسيحية الأرثوذكسية.

ترى مثل هذه الدعوات الخلاصية في الكورونا نذائر دنيوية لعالمٍ أخروي إنّما تلاقي مصالح دنيوية تلتحم بالصراعات الفقهية- السياسية المؤسسية التي تهدف إلى السيطرة على من يحقّ له الكلام الأوحد عن الخلاص باسم هذه المؤسّسة. ومن المرجّح أن ترى دعوات كهذه صدىً أكبر في بلادٍ ومدنٍ لا شبكات أمان لها عند شريحة متزايدة من العموم يرون أنّ الجوع يهدّدهم قبل الكورونا ومعها، لينقلب الوباء سبباً لثورات مجاعة تتمظهر بسلفيات دينية مستجدّة تكون الطريق الوحيد للتعبير عن آلام الناس، هذا إن لم يجد أهل الانتفاضة في لبنان طريقاً بديلاً لكلّ ذلك.

التكبُّر والنكران: أنظمتنا في مواجهة الكورونا

التكبُّر على الفقراء متجاهلين النتائج الكارثية لمنعهم من العمل هذه النرجسيّة نفسها التي منعت إلغاء صلاة الجمعة في مصر وإحياء الذكرى في العراق، وصلت ذروتها في إيران بعد إشارته إلى أنّ الأميركيّين متّهمون بإنتاج الفيروس وقد سُجن 1600 شخص في الأردن منذ إعلان حظر التجوّل

بتُّ أحلم بسجنٍ هائل

يَعلَمُ عقلي أنّ العدوَّ هو الهلع وليس الفيروس من وباء التمييز الطبقي ولن يجدي الاحتياطُ والحذر كثيراً، ولن تكون إصابتي حالة استثنائية البتّة اُحْجُزْ نفسك، اِغْسِلْ يديك، عَقِّمّ كلّ شيء، اِبْتَعِدْ عن البشر، أي أَوْصِدْ بابَك وانْتَظِر