التنظيم، النظريّة، الممارسة: محطّات من تجربة محسن ابراهيم

ابتعد معظم ما كُتِب عن محسن إبراهيم (1935-2020)، أمين عام منظّمة العمل الشيوعي الذي رحل منذ أسبوعين، عن مراجعة تجربته الحزبيّة الغنيّة. فركّزت المرثيات المختلفة على أربعة عناوين أساسيّة:

مزاياه الشخصيّة
الدهاء، الفتنة، سرعة البديهة، الظرف، اللياقة.

علاقاته الوثيقة بقامات سياسيّة
جمال عبد الناصر، ياسر عرفات، كمال جنبلاط، جورج حاوي.

اعتزاله منذ انتهاء الحرب الأهليّة
الانكفاء والصمت كنقد لسطوة النظام الأسديّ ورفض الخضوع لسلطته.

نقده الذاتيّ للحركة الوطنيّة
استسهال الانخراط بالحرب الأهلية لتغيير النظام الطائفي، وإباحة لبنان للمقاومة الفلسطينيّة مما حمّله فوق طاقته.

لكن، في التأرجح ما بين الذكريات الحميمة والعموميّات السياسيّة، تضيع التجربة الجديرة بإعادة النظر ببعض جوانبها، من خارج أدبيّات المحاكمة التي تنظر إلى المؤرّخ كقاضٍ يصدر أحكاماً تبرّئ أو تدين حقبات تاريخيّة ورموزها. على العكس من ذلك، فالالتفاتة اليوم هي نحو الماضي، أمّا العين، فعلى الحاضر، خاصّةً حاضر نقاشات ما بعد 17 تشرين حول ضرورة التنظيم، وصياغة البرامج، وعلاقة النظريّة بالممارسة.

السلطة الحزبيّة الدائمة
لم تعرف منظّمة العمل الشيوعي غير محسن ابراهيم أميناً عامّاً لها. بقي ابراهيم في قيادة حزبه ما يقارب نصف قرن من الزمن، فيما تعاقب على الحزب الشيوعي اللبناني في فترة (1970-2020)، كما لاحظت دلال البزري، خمسة أمناء عامّين. وإذا ما ابتعدنا عن المقارنات الداخليّة المزمنة لليسار اللبناني، ووضعنا الفكر والأثر السياسيّين جانباً، نلاحظ أنّ فترة تولّي ابراهيم للسلطة الحزبيّة توازي فترة رئاسة بيار الجميّل الجدّ حزب الكتائب اللبنانيّة (1936-1984).

ليس ذلك تفصيلاً، إذ يطرح عدّة أسئلة عن الهوّة التي تفصل الشعارات السياسيّة الثوريّة عن الممارسات السلطوية داخل الأحزاب، وعن مصير تلك الشعارات الفعليّ عند وضعها على محكّ التجربة التنظيميّة. ليس ذلك مجرّد نقد ليبرالي لغياب الديموقراطيّة والشفافيّة، على أحقيّته، بل إنّ تلك الممارسات تضرب أسس المشروع اليساري، بما هو مشروع تحرّر ذاتيّ راديكالي، من خلال إنتاج نخب قياديّة تجعل من التنظيم تابعًا لمشيئتها.

أين تُمارَس السياسة وكيف؟
طرحت الانشقاقات المتتالية عن منظمّة العمل الشيوعي في سنواتها الثلاث الأولى عدّة أسئلة. بعضها داخليّ تناول مسألة هرميّة الأطر التنظيميّة وسلطة هيئاتها العليا (المكتب السياسي) على قطاعاتها. وبعضها الأخر تطرّق إلى مسألة نطاق الممارسة السياسيّة اليساريّة وكيفيّتها. فهل يجب التركيز على العمل السياسي القاعديّ في المعامل والحارات والمدارس؟ أم التفرّغ للعمل «من فوق»، أي لاجتماعات القيادات التي تصدر على أثرها التعميمات والبيانات المشتركة؟

لقد انتقد تيّار عريض من المنشّقين (1973) أخد محسن إبراهيم التنظيم في الاتجّاه الثاني الذي يعزّز فقدان التنظيم لاستقلاليته من خلال إلحاقه بحركة الأمين العام وعلاقاته السياسيّة- الشخصيّة مع قيادات القوى النافذة. وقد أعاد طلال سلمان التذكير بممارسة السياسة الفوقيّة في رثائه لابراهيم:

وسرعان ما أصبحتَ المستشار الأوّل لياسر عرفات في الشؤون اللبنانية، ومهّدتَ لعلاقة وثيقة بينه وبين كمال جنبلاط، وسائر أركان الحركة الوطنية… وكنت تحضر اللقاءات المشتركة بين قيادة المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية في لبنان، وقد أعددتَ البيان متشاغلاً عن النقاشات الفارغة حتى يفرغ منها المتحاورون فتُخرج من جيب قمصيك البيان المكتوب وتختم اللقاء.

النظرية الثورية، الواقعيّة السياسيّة، التبعيّة
أسقط البرنامج المرحلي للحركة الوطنيّة (آب 1975) المطالب الاجتماعيّة من بنوده الإصلاحيّة. فركّز على إلغاء الطائفيّة السياسيّة في مجالات التمثيل الشعبي والإدارة والقضاء والجيش. وقد نسب فواز طرابلسي ذلك، في مذكّراته، إلى رغبة كمال جنبلاط بعدم إخافة البرجوازيّة، خاصّة جناحها المسلم، واستمالتها إلى مشروعه التغييري. فبان الانقطاع ما بين النظريّة الثوريّة والبرنامج السياسي الذي يدّعي التكلّم باسم الجماهير اللبنانيّة، التي لا تحمل أي مطلب طبقي، بينما هو يغازل البرجوازيّة الاسلاميّة. والأهمّ من ذلك، تظهر تلك الحادثة مأساة التبعيّة الأساسيّة في تاريخ اليسار اللبناني (الزعامة الجنبلاطيّة في الأمس، حزب الله اليوم) التي لا ينتج عنها إلّا تقويضٌ لأهداف اليسار التحرّريّة وتدعيم للطرف الأهلي الأقوى.


قد يكون التنظيم ضرورةً بعد 17 تشرين لتثمير تحرّكات الأشهر الماضية. فهو يربط التجارب ببعضها ويساهم بمراكمة الخبرات للاستعداد لمواجهة طويلة النفس ومتعدّدة الأشكال مع السلطة. لكننا اليوم، وعلى عكس جيل محسن إبراهيم، لا نملك صيغاً تنظيميّة معتمدة، جاهزة للاستعمال أو قابلة للتعديل المحليّ. أضف إلى ذلك أنّ التجارب الحزبيّة اليساريّة في القرن العشرين أنتجت نفوراً شعورياً ملموساً من التنظيمات الحديديّة والقيادات والسياسة الأداتيّة. فالمسألة التنظيميّة اليوم، على نطاق العالم، هي من أكثر القضايا إلحاحاً وصعوبةً في الوقت نفسه.

أمّا المسائل الأخرى المرتبطة بالتنظيم، والتي واجهها محسن إبراهيم ورفاقه (مجالات العمل السياسي ووسائله، العلاقة ما بين النظريّة والممارسة، استقلاليّة اليسار وتبعيّته) ولم ينجحوا في حلّها، فلم تفقد شيئاً من راهنيّتها… وصعوبتها.

99 بالمئة من الجراثيم

أنظر إلى تلك الكمّامات من حولي، فتسيطر عليّ حالة من الشكّ المريب أخاف أن يحوّلني واحداً من هؤلاء الذين يشكّكون بالعلم وحقيقته وجدت في يساريّتي بعضًا من الطمأنينة وغضبَ آخر من حالة الشكّ فصاح بوجهي: «أمّك؟ ما بتفكر بأمّك

صدمة بيرني

مخاطبة الناخبين المتردّدين لأسبابٍ هوياتية. وكان بايدن قد حصل على العدد الأكبر، بفارق كبير، من أصوات الأميركيّين ذوي الأصول الأفريقية محاولات ساندز لجذب أعداد كبيرة من الشباب إلى صناديق الاقتراع باءت بالفشل حظوظه في الفوز ضد ترامب أفضل من حظوظ ساندرز