مدافن المدينة الرياضيّة

تستخدم السياسة أحياناً الفعل الرياضي. تنفّذ عبره سياساتها، متذرعة بعناصر المنافسة والقومية الثقافية والعرقية. ولأن التاريخ يسرد أمامنا حكايات وحوادث عن استخدام المجال الرياضي والمباريات وسيلةً لتبادل رسائل بين الحكومات، فإن السياسة في مجالها العام، خصوصاً في الأنظمة الشمولية، سيطرت على الرياضة وفضائها لتصنيع الموديل الرجالي والفرد الحربي، باعتباره جزءاً من مأسسة النظام، ومؤشراً لانضباطه ولياقته واستعداده لمواجهة المخاطر، ووجهاً من بناه العسكرية.

إلا أن الرياضة في لبنان، منذ نشوئها، نظاماً ومؤسسات، تحاكي بالتدرّج نظامنا السياسي وبنية تحوّلاته، بل تُعدّ كأنها نسخة من تشكّله وانهياره معاً. فالمؤسسات الرياضية المهترئة اليوم، ومبانيها الآيلة للسقوط، وتحوُّل أدوارها الى فضاءات معسكرة ومخازن لعهد قاتل بعيدة كل البعد عن أدوارها الرياضية وأفعالها، هي التعبير الأمثل للنظام اللبناني ومساره التدريجي، وتتويج لنقطة الفصل بين انهيار الدولة الكلي ولحظة إعلان موتها.


في لحظة عالمية حرجة، استُخدمت فيها الملاعب والمدن الرياضية الى مستشفيات ميدانية لمعالجة المصابين بالفيروس (كما في الصين)، حوّلت حكومة لبنان مدرّجات ملعبها الذي أنشئ في عهد كميل شمعون (1957) الى مدافن للمعدّات الطبية والأسرّة والهبات الدولية المقدّمة بعد انفجار المرفأ من مُؤَن ومواد أولية، وجعلت هذا المكان المؤهّل للترفيه الشعبي، الى «تختية» خلفية للمدينة المدمرة، معنوياً واقتصادياً ومادياً.

فتاريخ المدينة الرياضية، يتيح لنا قراءة بعض مآلات تاريخنا الملبنن، وكيفية إدارة النظام اللبناني لمرافق الدولة وعقليته النفعية من جهة، والمستهترة من جهة أخرى. ففي العام 1982، دُمّر الملعب ومدرجاته بسبب الاجتياح الاسرائيلي. ثم مع قدوم الحريرية السياسية، أعيد بناء المدينة الرياضية من هبات الدول الخليجية، وقدمته الحكومة يومهاً، نموذجاً لدخول بيروت عصراً محدثاً، كنوع من طمس الماضي القريب المدمر، وخروجاً سريعاً من الحرب الأهلية وكأنها لم تحصل يوماً.
جاء بناء المدينة الرياضية واحداً من مشاريع اعادة إعمار، هدفه المحو. وسوليدير واحدة من معالم هذا المشروع الرأسمالي. أما المدينة الرياضية، فهي لخدمة هذا الطمس، واستكمال الصورة الملمعة التي أرادت الحريرية السياسية تثبيتها عن لبنانها الجديد، الساعي الى العصرنة ولصفقات البيع والشراء، وما تضمنه ذلك من عمليات قتل لهوية المدينة وسرقة أملاك وعقارات سكانها.

بعد اغتيال الحريري، تحول محيط المدينة الرياضية الى محطة عسكرية لملالات الجيش. أمست واجهة لمحطة لبنانية مستجدة، صرنا نسمع فيها كل يوم تقريباً عن دور الجيش والحل الوحيد السحري الذي بيده جعلنا في أمن وأمان وكأنه خلاصنا الإلهي. كانت هذه اللوحة المثبتة أمام أهل بيروت، بين مدينة رياضية شبه مهجورة وآلات عسكرية تزنرها، تشبه تماماً مصيرنا. دولة تحمي برجال مدججين بالسلاح مدرجات فارغة، ثم تحولها الى شبه ثكنة عسكرية، كجزء من عسكرة المجتمع، وعسكرة عقولنا، باعتبار خلاصنا مربوطاً بمؤسسة قمعية وذكورية ومصدرة للعنف، وخلفها ملاعب الذكور وعضلاتهم وفائض قوتهم متعرّقين وراكضين.


ما يحصل في المدينة الرياضية والسجال الذي تبعه على مواقع التواصل ولو من باب النكتة، ليس الا مؤشراً مرتبطاً بشكل وثيق بكيف تتعامل معنا الدولة والحكومة والطبقة السياسية عموماً، باعتبارنا لا شيء. أشباح على أوسع تقدير. وليس عيباً في عرفها السياسي، أن تترك الهبات المقدمة الينا كشعب وصل الى الحضيض على كل الأصعدة، مخزنة باستهتار ومتروكة ومنسية في غياهب مباني اللعب الرجالية.
هناك دفنت أيضاً الدولة رمزياً أحلامنا وستدفن أرواحنا ولا يستصعب عليها أن تحول هذه المباني يوماً ما الى مقبرة جماعية، بعد أن تبيدنا بمواد متفجرة، مشابهة لمواد الأمونيوم. وربما سنكتشف أنها دفنت عبر طبقتها السياسية أو عبر ميليشياتها وصفقاتهم مواداّ قاتلة، كما حصل في المرفأ، تحت مدرجات الملعب وإسمنته.