مسألة كيندا الخطيب


بدأت القضية باعتقال غامض، أسبابه غير معروفة. بعد مرور بضعة ساعات، جاءت التسريبات عن تهمة «عمالة»، محمولة من جيش إلكتروني وهاشتاغه #كيندا_الخطيب_عميلة

بحسب التسريبات، لم يكن الاعتقال مرتبطاً بموقف الناشطة المناهض لحزب الله والعهد، بل كان مرتبطًا بتعامل مبهم، دليله الوحيد آراء بعض الممانعين الحريصين على وطنية مهترئة داخليًا وممزوجة بالدم إقليميًا.
بعد خمسة أيام، خرج مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بالإنابة، وبناءً على التحقيقات الأولية لجهاز «الأمن العام اللبناني»، ليتلو التهم الرسمية: «التعامل مع العدو الإسرائيلي ودخول أراضيه»، بعد أن تمّ تثبيت دخولها إلى الأراضي المحتلّة في كانون الثاني. انتهت القضية وأثبتت التهمة: كيندا الخطيب عميلة، فليصمت الجميع.

كيندا الخطيب وزياد عيتاني

المشكلة هي أنّ الجميع قد صمت قبل سنتين، في قضية شبيهة تبيّن أنّها تلفيقة أمنية أسقطت الثقة المهترئة بأجهزة أمنية أقرب إلى ميليشيات دولة. ففي تسلسل شبيه للأحداث، تمّ توقيف المسرحي زياد عيتاني ثمّ تسريب شائعات عن عمالة مفترضة، قبل أن يتمّ تعذيبه لاستخراج اعتراف منه. وبعد بضعة جلسات في المحكمة وتدخّل جهاز أمنيّ مضادّ، تمّت تبرئته بعدما تبيّن أن القضية ملفّقة بكاملها من قبل المقدّم سوزان الحاج ومقرصنها إيلي غبش وجهاز أمن الدولة. لكن رغم قرار فصلها من قوى الأمن الداخلي، لم يوقّع رئيس الجمهورية المرسوم، كما لم تجرِ محاسبة جهاز أمن الدولة.

قبل أن تتمّ محاسبة كامل المتورّطين بقضية زياد عيتاني، ستبقى تهمة «العمالة» تهمةً مشبوهةً، حين تصدر عن الأجهزة إيّاها والقضاء إيّاه وإعلامهما.

كيندا الخطيب وعامر الفاخوري

لم تأتِ قضية كيندا الخطيب بعد قضية زياد عيتاني فحسب، بل أيضًا بعد قضية عامر الفاخوري، العميل الذي تمّ تهريبه بطوّافة بعدما اعتُقل من قبل الجهات الأمنية عند دخوله الأراضي اللبنانية. ففي تلفيقة قضائية وبمشاركة أطراف حكومية، رضخت السلطة اللبنانية لضغوط داخلية وخارجية، وأطلقت سراح «سفّاح الخيام» الذي وجد طوّافةً في انتظاره لنقله إلى خارج البلاد.
لم يكن كافياً «الانهيار العصبي» المتلفز لحسن نصر الله لدحض الإحساس الدفين بأنّ تهمة «العمالة» باتت جزءًا من التلاعب السياسي، قداستها المفترضة عرضة لمساومات صغيرة. ولم يكن عامر الفاخوري أوّل عميل تجري معاملته بلطف وتفهّم. فقبله، نجح العميل فايز كرم في الحصول على معاملة خاصّة نتيجة ورقة التفاهم التي شكّلت أسس العهد القوي الذي يحكمنا.

قبل أن تتمّ محاسبة كامل المتورّطين بقضية عامر الفاخوري، ستبقى الشبهة بأن «العمالة» تهمة ذات عقابَيْن تحدّدهما الميول السياسية للعميل المفترض.

كيندا الخطيب وعلي الأمين

قبل أن تتّضح تماماً قضية كيندا الخطيب، انفجرت قضيّة تخابر أو تعامل أخرى، طالت هذه المرّة رجل الدين علي الأمين الذي اتُّهم بجرم الاجتماع مع مسؤولين إسرائيليين في البحرين، بالإضافة إلى تشكيلة من التهم الأخرى التي يمكن تلخيصها بمعارضة حزب الله.
المستغرب في هذا الادّعاء ليس توقيته المتأخّر فحسب، كون هذا الاجتماع قدّ مرّت عليه سبعة أشهر، بل الصبغة السياسية الواضحة، وكأنّ قضية كيندا الخطيب قد أسقطتْ أيّ «حياء قانوني» عند بعض الذين اعتبروا «مهاجمة المقاومة وشهدائها بشكل دائم» تهمةً قانونية.

علي الأمين إلى السجن وعامر الفاخوري خارجه. هل باتت هذه معادلة الخيانة عند العهد القويّ وورقة تفاهمه؟

قد تكون كيندا الخطيب متعاملةً أم لا، هذا ما ستوضحه الأيّام المقبلة. لكنّ الأكيد أنّ تهمة «العمالة» باتت هي المشتبه بها. وهذه الشبهة لن تزول مهما سرّبت الأجهزة وحرّض الإعلام وصرخ نصرالله…

الدولة الأمنية هي المطالبة اليوم بتبرئة نفسها من تُهم التلفيق والتشهير والتعذيب، قبل أن نصدّق أيّاً من تحقيقاتها أو تسريباتها.