مساوماتٌ لا نعلم عنها شيئاً

في ظل الانشغال بملف تشكيل الحكومة الجديدة، تنشط على مختلف الصعد كل أشكال شدّ الحبال المتعلّقة بملف خسائر الانهيار وطريقة التعامل معها. في لبنان، ثمّة وصيّ مالي جديد، يفاوض الجميع ويساوم، دون أن نعلم حتّى اللحظة الكثير عن نتائج هذه التطوّرات وأثرها على عموم اللبنانيين المتأثّرين بالانهيار.

منذ أيام، يداوم في مصرف لبنان وفد من خبراء المصرف المركزي الفرنسي. لا يعلم أحد تفاصيل المهمّة التي أتى بها هؤلاء، ولا طبيعة النقاشات التي تجري هناك خلف الجدران. ما يمكننا تلمّسه فقط، هو بعض الانعطافات في مواقف الحاكم: من إبدائه بعض المرونة عبر القول إنّه سينحاز إلى خطّة الحكومة في أي مفاوضات مقبلة مع صندوق النقد، إلى تعنّته الأخير في وجه جمعيّة المصارف في ما يتعلّق بالقرار الذي طلب بموجبه من إدارات المصارف حثّ مودعيها على إعادة جزء من الأموال التي جرى تحويلها إلى الخارج. توحي هذه التحوّلات في أداء الحاكم بوجود أصابع فرنسيّة بدأت تفعل فعلها في مصرف لبنان، دون أن نعلم الكثير عن أولويّات هذا التدخّل المستجدّ وأُفقه.

يتعامل سلامة مع الطحشة الفرنسيّة ببراغماتيّة مفرطة: يهمّه أن يؤمّن لنفسه انسحاباً مشرّفاً من المشهد، وأن يتمكّن من دفن الكثير من أسرار المرحلة السابقة بأقلّ قدر من الضجيج. التدقيق الجنائي الأوّلي الذي أقرّه مجلس الوزراء قادر على تشكيل مخرج مشرّف، ما دام حجاب السريّة المصرفيّة قادراً على إخفاء مآلات التحويلات الماليّة وهويّة المستفيدين منها والصفقات الكبرى التي قام بها الحاكم. سيشير التدقيق إلى كلفة بعض العمليات وفعاليّتها، وإلى ضرورة تفعيل بعض أطر الرقابة داخل المصرف المركزي، وستعمل السلطة على تسويق التدقيق كإنجاز أمام المجتمع الدولي وصندوق النقد.

في كل هذا المسار، يعلم الحاكم أنّ عليه مدّ اليد للفرنسيين وإبداء حسن النيّة، ما دام هؤلاء هم الوصيّ الجديد على مسار المعالجات الماليّة، وما داموا يعلمون—كما يعلم الحاكم—أنّ لا أحد من أقطاب الحكم في لبنان سيوافق على بلوغ التدقيق الجنائي مرحلةَ كشف الصفقات الكبرى التي جرت تحت ستار عمليّات مصرف لبنان. ولعلّ عرقلة رئيس مجلس النوّاب لمسار التدقيق الجنائي في مصرف لبنان، وإحالة هذا التدقيق إلى تدقيق شكلي، مجرّد نموذج عن نوعيّة الرفض هذا.

في مكان آخر من العالم، تنشط جمعيّة المصارف في باريس للدفاع عن أولويّاتها. تسرّب الشركة الاستشاريّة الخاصّة بالجمعيّة عن قصد بعض محاضر الاجتماعات البروتوكوليّة، دون أن يكشف أحد عن تفاصيل الاجتماعات الأكثر حساسيّة بين أعضاء وفد الجمعيّة والمسؤولين الفرنسيين. ما نعرفه حتّى اللحظة، هو أن فرنسا تحرص على أولويّات صندوق النقد المعتادة، لكنّها تبدي الكثير من التركيز على فكرة الصندوق السيادي وما سينتج عنه من فرص للشركات الفرنسيّة. في المقابل، تصرّ جمعيّة المصارف على تحييد المصارف قدر المستطاع عن مسار توزيع الخسائر، وتتقاطع مع الفرنسيين على الإعجاب بفكرة الصندوق السيادي.

يبدو الثنائي الشيعي أكثر المتصلّبين هنا، وتحديداً من خلال إصراره على الحصول على وزراة المال التي سيملك وزيرها حقّ الفيتو على كل ما يتعلّق بالملف المالي، تماماً كما مارس برّي هذا الحق في وجه الكثير من الملفّات من خلال الوزير غازي وزني: من الكابيتال كونترول إلى التدقيق الجنائي ومحاسبة رياض سلامة وصولاً إلى عرقلة خطّة لازارد. في الشكل، ينشغل اللبنانيين بالصراع الميثاقي، بين إصرار الثنائي على الحصول على الوزارة، وإصرار الآخرين على المداورة. لكن في المضمون، يعلم الجميع أن الصراع يتركّز اليوم على أجندة وزير المال، وما سيفعله. أما هويّة الوزير، فستكون لاحقاً مسألة إخراج أمام الرأي العام لا أكثر.

ما رأيناه خلال الأيام الماضية كان أربعة لاعبين في ثلاثة مشاهد: فرنسا تبحث عن الفرص الإستثماريّة، إنما مع الامتثال لبعض شروط صندوق النقد للحصول على غطاء دولي لمسارها المالي في لبنان. حاكم مصرف لبنان يريد الانسحاب دون مساءلة. المصارف تريد الابتعاد عن شبح الخسائر. برّي يريد التخلّص من كابوس التدقيق وإمكانيّة المساس ببعض المصالح التي تعنيه.

في كلّ هذه المشاهد، يتفرّج اللبنانيون على التطوّرات دون يمتلكوا فعلاً ما يمكن الرهان عليه خلال الفترة المقبلة، باستثناء تمنّي تعثّر قاطرة المساومات هذه، التي لن تأتي إلا على حساب مصالحهم.