مسلخ الثورة

هل تمّ رسمياً افتتاح مسلخ في ركن من زوايا الثورة في بيروت؟
بالأمس القريب والغريب، اكتشفنا أنّ وفداً من «بيروت مدينتي» قوامه أربعة رجال زار قائد الجيش لمطالبته بما يستحيل قوله في بيان: لا تضرب المتظاهرين/ات. زيارة غير مفهومة تشبه تلك الزيارات الغامضة التي قامت بها المجموعة خلال الانتخابات البلدية. وبعد نهاية الانتخابات، لم تعرف «بيروت مدينتي» أن تنتهي (لا شيء ينتهي هنا، من «حراس الأرز» إلى «منظمة العمل الشيوعي»)، ولا عرفت أن تتشكّل في أحزاب. استمرّت تتخبّط بين ناسٍ يصرّون ويناضلون، وناس يبحثون عن منصب، وأخرين يتمسّكون بإطار.
طُلب من المحامية نايلة جعجع أن توضح، وهي التي لم تشارك في الزيارة. فقالت إنّ زوّار الجيش لا يمثّلون الثورة وإنما حزبهم. لكنّ مسلخ الثورة سبقها وباشر ذبحها، هي التي لم تهدأ منذ ما قبل حراك 2015 وخلاله وحتى اليوم، في محاربة النظام وتقديم دعم قانوني للقضايا المطلبية التي تساهم في صناعة أحقية هذه الثورة. تمّ وضع اسمها في سياقات «السحسوح»، واستُبيحت المحامية التي تدافع عنّا وعن قضايانا، هكذا ببساطة.

قبل أسبوع أو أكثر، نشرت جريدة «الأخبار» تسريبة عن دعوة وجّهها وفدٌ فرنسي أتى إلى لبنان علانيةً ورسمياً لبعض مكوّنات الثورة، للنقاش لا للمفاوضة باسمها. رفض من رفض ولبّى من لبّى، لكن هناك في الثورة البيروتية من ارتأى أنه كان يتوجّب على هؤلاء الخبثاء أن ينشروا الدعوة للجميع لأنّ «الجميع» صار حَكَماً على تصرّفات «الجميع». كما صار مطلوباً من الثورة أن تلعب تحت سقف «الوطنية» الذي حدّده إصبع السيّد، فنهرع لنتبرّأ من أي اتصال بسفارة، علماً أن كافة القطاعات السيادية هنا، كأمن الحدود والجيش مروراً بالتربية والصحة واللجوء، «تمويل سفارات».
قبلها بفترة، قال شربل نحاس الكلمتين الغامضتين إيّاهما عن الجنوب والشيعة والأرزّ، فتمّ سلخه. اعتذر، واستمرّ سلخه. هو ليس شخصيةً جامعة في الساحات، لا بالأسلوب ولا بالطرح أو العلاقات السياسية أحياناً. لكن تم غضّ النظر عن أدائه الوزاري الذي صارع فيه ليوصل حقوقاً لكثيرين/ات، كأولاد المراة اللبنانية، بهدف ذبحه. حتى سُمع هتافٌ في ليل الساحة يبتكر كلمة على وزن «نحاس» ليقرنها بشتيمة، تماماً كما فعل الهتاف بنبيه بري والحريري وجبران. الشتائم حلال، لكن لشربل نحّاس؟ كم سرق من المال العام، وكيف أساء استخدام منصبه، ومتى جيّش طائفياً لضمان استمرارية سياسية؟ أم أن الذبح سيطال كلّ من ارتكب غلطة؟


هذا مرعب. فمن التالي/ة؟
هذا واقع غير آمن، يتطلّب من الناس أن تكون معصومة، ألا تغلط، وإذا غلطت أن تتقبّل الذبح وتختفي، لا أن تعتذر أو تناقش. «أن تخرس»، تماماً كما قال نائبٌ من نوّاب ميشال عون، أو أن تهاجر كما قال ميشال عون شخصياً. وهو منحىً لا يلوح إلا في الساحة البيروتية، ما يتطلب تحليلاً.
فهل يعتقد القيّمون على المسلخ أنّ رأيهم هو «بوصلة الثورة» ليشنّوه كحملة تخوينية؟ من اغتال مساحة الخطأ، ناهيك بمساحة الاختلاف، ولأي منفعة؟
هذا الحديث التطهّري، ألا يشبه كثيراً أبويّة خطاب السلطة؟ نبرة حزبٍ يحكي باسم السلطة، يتملّكها فردٌ لنفسه «باسم الثورة»؟ والأنكى لمّا يقول لك: سقط القناع، بلا ابتكارٍ حتى في أدبيات التخوين.
منذ أكثر من شهر ونحن نشعر بأمانٍ افتقدناه طويلاً في الشارع. هذه الممارسات الأبوية تقول لنا أننا مستباحون/ات تحت سيف «طهارةٍ» لا تعترف للحياة بأغلاطها واختلافات الناس فيها. فإذا أخطأتُ يوماً بفعلٍ أو اختلفتُ برأي، فسيتمّ سلخي على مذبح الثورة.
هذا مرعب.
المحاسبة هي مطلب أساسي للثورة، وليس المشانق. الثورة أرحب من هذه الأصوات، فجميعنا يشكّلها. والتخويف بالمسلخ لا يجعلها أقوى، وإنما يهمّشنا ويهمّش ساحة بيروت في سياقها. أن تستحيل أرضها حقل ألغام يعني أن يُطرد الناس إلى البيوت.
إن الدفاع عن حق الناس بالاختلاف وبالخطأ هو دفاع عن حقّنا بالأمان في الثورة. وهذا الإحساس بالأمان هو ما أشعر الآلاف مثلي بإمكانية تغييرٍ في النظام وفي النفس. ففي مساء ذاك الخميس، خرجنا مختلفين جداً، وخرجنا على الأب. لم نخرج كفصيلٍ في حزب ولا لنكون نحن الأب.