مسوّدة لمستقبلٍ يُشبه الماضي

بعد مهزلة إقرار مسوّدة الموازنة، يطلّ البروفيسور بمسوّدة بيان وزاري يُفترض به أن يشكّل مسوّدة لحلّ يشبه إلى حدٍّ بعيد الماضي الذي جاء بالأزمة. لقد فهمَ البروفيسور دوره جيدًا كمسوّدة لرئيس حكومة «العودة إلى الأمر الواقع»، فقدّم مسوّدة تتنافس فيها الطاعة للسلطة مع غباء الأخصّائيين، لمحاولة استرجاع ماكينات النهب وربّما تجديدها.


تبدأ المسوّدة بتحديد هدفها، وهو تحميل أعباء الأزمة للناس.
فهي مسوّدة «المسؤولين»، «نحن وأنتم» كما تقول المسودة مخاطبةً مجلس نوّاب افتراضياً، «نحن» الذين نواجه «اعتراضًا شعبيًا»، جرّاء «أزمة» لا أحد مسؤولٌ عنها، أزمة أقرب إلى كارثة طبيعية طالت البلاد.
«نحن» مسؤولون غير مسؤولين، ولكن رغم ذلك، علينا عدم «المكابرة في التعاطي» مع الاعتراض الناتج عن الأزمة والقيام بـ«مراجعة عميقة» و«مصارحة» رعايانا.
«نحن» مسؤولون غير مسؤولين وعلينا التواضع بعض الشيء، إذا أردنا العودة إلى مطاعمنا.
أما الناس، فليس المطلوب منهم القبول بألم «الخطوات المصيرية وأدوات العلاج» وحسب، ولكن أيضاً إبداء بعض الامتنان لطبقتهم السياسية، بعد أشهر من الشتم والطرد. وسوف يُبدون هذا الامتنان، تطمئن المسودة المسؤولين غير المسؤولين، إن لم يكن اليوم، فـ«يومًا ما».
تواضع المسؤولين مقابل تفقير الناس، هذا هو عرضُ المسوّدة.


تستكمل مقدمة المسوّدة تحديد دور الحكومة الجديدة، وهو إنهاء حالة الاحتجاج في البلاد.
فالحكومة الجديدة هي، حسب مسوّدتها، حكومة مستقلّة عن التجاذب السياسي وحكومة نزيهة وشفافة، كما تعتزم هي، متجاهلة مهزلة التشكيل وجلسة إقرار الموازنة. ولكنّها أبعد من ذلك، هي حكومة تعتبر أن العديد من مطالب الحراك … هي في صلب حقيقتها، مهما ظنّ المتظاهرون في الشوارع. فلا داعي لحراك أو ثورة بعد اليوم كون الحكومة باتت هي، في صلب حقيقتها، الحراك.
وكونها الحراك، فهي حكومة ملتزمة حماية حقّ التعبير، أي حق التعبير عن الحراك كالحكومة. في المقابل، كما توضح المسودة، فالحكومة تلتزم أيضًا القيام بواجبها بدعم القوى العسكرية والأمنية المولجة حفظ الأمن والنظام العام. الحراك الخارج عن الحكومة هو تهديد للنظام العام، وعلى محمد فهمي التعاطي معه بالطريقة التي يراها مناسبة.
الحراك بات في الحكومة. أمّا مَن هو في الشارع، فخارجٌ عن النظام العام، هذا هو تهديد المسوّدة.


بعد تحديد المعايير السياسية للمرحلة المقبلة، تؤكد المسودة أنّ المصارف ما زالت الحاكم الفعلي.
تقوم المسودة على المنطق الإصلاحيّ نفسه الذي يعتبر أن سبب الأزمة الحالية هو الهدر الإداري وبعض المفسدين من الطبقة السياسية. في وجه هؤلاء، فإنّ ملحمة محاربة الفساد بطلتها حكومة البروفيسور. ولكن مع ظهور المصارف في المسودة، تتغيّر اللهجة لكي يصبح التعاون والتشارك هو الحل. فتلمّح المسودة بخجل لبعض الإجراءات كـحماية أموال المودعين والمحافظة على سلامة النقد وإعادة رسملة المصارف، ولكن سرعان ما تعود وتؤكّد أنّ كلّ هذه الإجراءات ستكون برضى وزارة المال ومصرف لبنان والمصارف.
فلا داعي للهلع. الحكومة هي حراك المصارف وجمعيّتها، حراك لا يريد أكثر من حوكمة وشفافية وسيلفي مع البروفيسور.


طمأنت المسودّة حكّامها بأن لا شيء سيتغير. فأكدّت أولًا أن المشاريع الإصلاحية ستستمرّ كما اعتدنا عليها. فالحكومة متمسّكة بمؤتمر «سيدر» والورقة الإصلاحية ومشروع «ماكينزي» وخطة الكهرباء، وغيرها من الأوراق التي وضعتها الحكومات السابقة. كما أكّدت أن المنطق الاقتصادي هو ذاته. فالحل لأزمة ميزان المدفوعات، مثلًا، ما زال قائما على ثالوث الابتزاز بمسألة اللاجئين وتسوّل الاقتراض الخارجي وتربيح جميلة للمهجّر اللبناني. أما في الاقتصاد، فرشّةٌ من الكلام الفارغ عن تشجيع وتحفيز الاستثمارات والاتكال على الشراكة والتشركة مع القطاع الخاص والتواصل مع الخارج كفيلين بتحديد الوجهة: المزيد من التقشُّف والخصخصة وتوزيع الغنائم على الحلفاء.

كان من الممكن أن تنتهي المسودة هنا، ولكن لا بدّ من إعطاء بعض المساحة لجيش الأخصّائيين. ففي حفلة من الاقتراحات، وعدت الحكومة المفلسة بأن تطوّر كل شيء من خطة الإنماء الريفي إلى السياحة الثقافية مرورًا بـأكاديمية التلاقي والحوار ووصولًا إلى تقوية القوّات البحرية والجوية. إذا كان هذا مجرّد كذب، فإنّه مشكلة، وإن كان الوزراء يصدّقون هذا الكلام، فهذه فاجعة.


انتهت المسوّدة، مقدِّمةً نسخةً عن المستقبل هو مجرّد مسوّدة عن الماضي الذي أوصلنا إلى حاضر هذه الأزمة. إنها حكومة استكمال عملية النهب المُمنهَج للمجتمع، ليس لها ما تقدّمه إلّا كلام فارغ عن الفقر ومحاربة الفساد. إنها ليست حكومة الاستمرار وحسب، ولكنّها تعد حكّامها بالعمل الدؤوب على إيجاد مصادر لتجديد مصادر النهب من خلال الخصخصة.

انتهى البروفيسور بوعدٍ للشعب اللبناني: أعاهده على التزامنا بكل فقرة من بياننا الوزاري. وهذا هو خوفنا، أن يلتزم بكل فقرة من هذه المسوّدة.

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

من أزمة النظام إلى أزمة معارضيه

رسم حدود فاصلة بين قوى المعارضة نفسها النزعة الإصلاحية حركة إسقاط النظام الطائفي حصرها بقانون انتخابات جديد مالت لناحية حزب الله انعكست الانتخابات هزائم تتصدّر المشهد في ساحة رياض الصلح تأسيس جبهة سياسيّة مستقلّة متجانسة