مشكلتنا الفعليّة مع القرض الحسن

أطلّ الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله مخصّصاً جزءاً معتبراً من خطابه الأخير للحديث عن جمعيّة مؤسسة القرض الحسن، والسجال الذي أثارته خلال الفترة الماضية. وكان من الواضح أن نقطة قوّة نصر الله في هذا السجال هي تركيز خصومه على مهاجمة النموذج نفسه، والدور الذي تلعبه المؤسسة، في حين أنّ هذا النموذج والدور الذي يؤدّيه هو أفضل ما يمكن أن يستعرضه نصر الله في خطابه. فخلاصة حديث نصر الله كانت كالتالي: ها هو نموذجنا المالي يزدهر، ويقدّم القروض ويحفظ المساهمات، في حين أن مصارفكم انهارت ونظامكم المالي تعثّر. هل يمكننا أن نتخيّل هدية يمكن أن يتلقاها نصر الله أفضل من إثارة سجال يفضي إلى هذا النوع من المقارنات والخطابات؟

في الدول الغربية، غالباً ما ينشأ نظام مالي بديل عن النظام المصرفي الذي نعرفه جميعاً في لبنان. هذا النظام يقوم أولاً على مبادئ التضامن، وعلى فكرة التعاونيات الماليّة بأشكالها المتنوّعة وأنماط عملها المختلفة. أهم ما في التعاونيات الماليّة، أنها لا تقوم على نموذج المستثمرين الذين يتملّكون المؤسسة كحال المصارف التجاريّة، ولا تحرّكها رغبتهم في إقحام المؤسسة بمجازفات ومغامرات لزايدة أرباحهم، على حساب المودعين وسلامة أموالهم. في التعاونيات الماليّة، أصحاب الحق أو المساهمين، هم أصحاب الودائع أنفسهم، والمؤسسة لا تسير بإتجاه تعظيم أرباحها، بل بإتجاه الحفاظ على مساهمات هؤلاء بأفضل طريقة ممكنة.

بهذا المعنى، يمكن القول إنّ مؤسسة القرض الحسن تمثّل نسخة إسلاميّة معدّلة ومنقّحة من نموذج التعاونيات الماليّة المعروف في الدول الغربيّة، وهو نموذج جيّد، وغالباً ما يتسم بتوجهات محافظة جدّاً من ناحية السياسة التسليفيّة وسياسة توظيف الأموال. ولهذا السبب، إسترسل نصر الله في حديثه عن الضوابط القاسية التي حكمت تسليفات المؤسسة، المضمونة برهونات ذهبيّة أو نقديّة، كما توسّع في الحديث عن نسب النمو التي حقّقتها، وقدرتها على الحفاظ على استقرار عملياتها رغم كل النكبات المالية التي ألمّت بالبلاد. أمّا الجملة التي لم يقلها نصر الله بشكل صريح، لكننا فهمناها دون أن يقولها، فهي أن مصارف لبنان، في المقابل، كانت في ذلك الوقت تقامر وتغامر بأموال المودعين وتقحمها في الهندسات الماليّة، لخدمة أرباح أصحابها.

المشكلة ليست إذاً في نموذج القرض الحسن، لا بل يمكن للمرء- إذا كان ساذجاً بما فيه الكفاية- أن يشكر حزب الله على نموذجه، ويسأل عن سبب عدم تعميم التجربة على باقي المناطق والبيئات اللبنانيّة، طالما أنّ نصر الله يدعونا جميعاً للدخول في جنّة القرض الحسن. عمليّاً، ثمّة مشكلة كبيرة، لا بل أكبر من مسألة النموذج نفسه حتّى لو وجدنا ثغرات في هذا النموذج، وتكمن في سؤال ذهبيّ سأله نصر الله في خطابه:

مين مانعكن تعملو متلو (يقصد القرض الحسن)؟

المشكلة الأساسيّة، أن ثمّة نظاماً سياسياً كان حزب الله أبرز أركانه، حصر المنظومة الماليّة بقطاع المصارف الذي نعرفه، وبسياسات حاكم المصرف المركزي التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه على المستوى النقدي. وذلك النظام لم يترك مساحة لخلق هذا النوع من النماذج الماليّة البديلة، لا بل جرى خنق أي محاولة لفعل ذلك عن سابق تصوّر وتصميم، من خلال تحجّج الحاكم بمواد قانون النقد والتسليف التي تمنع المؤسسات غير المصرفيّة من تلقّي الودائع. كما أُحبطت أي محاولة لخلق تعاونيات ماليّة مشابهة من خلال المديريّة العامّة للتعاونيات.

بمعنى آخر، وبينما كان لبنان يعاني من حصر خياراته بهذا النموذج المالي وسياسات رعاته الكارثيّة، تمكّن حزب الله وحده من خلق نموذجه الناجح، بفضل غطائه السياسي القوي. وهكذا وصلنا إلى المرحلة التي يفتخر فيها نصر الله بنموذجه المالي، في مقابل نموذج المصارف اللبنانيّة المتعثّر. و تكرّر هذا النمط في كل شيء:

في مقابل وهن القوى العسكريّة والأمنيّة الرسميّة، كان لدى حزب الله منظومته الأمنيّة والعسكريّة الخاصّة الناجحة.
في مقابل تداعي التعليم الرسمي، لدى حزب الله مدارسه المعروفة والمقتدرة.
في مقابل غياب منظومة الرعاية الصحيّة الرسميّة، لدى حزب الله منظومته الخاصّة ومستشفياته.

أما أهم ما في الموضوع، فهو أن الحزب نفسه ليس جمعيّة تحاول خلق اقتصاد تضامني بديل في مقابل فشل الدولة، بل هو نفسه أبرز رعاة المنظومة المسؤولة عن الوضع الحالي. وهكذا، تُترك الدولة لتفشل، ليكون الحزب حضن الطائفة الحاضر لاحتضانها دائماً.

لبنان كأزمة أبوّة

كيف نفكر بسيادتنا ونحن عاجزون عن تلمّس أجسادنا، فرديةً كانت أم جماعية؟ كيف نصلُ أصلاً إلى فهم رغباتنا إن كنّا عاجزين عن تخيّل «نحن» ما؟ وأيضاً، كيف لنا أن ندرك معنىً ذاتياً فردياً أو جماعياً إذا صار «الطبيعي»

«المجد لكاتم الصوت»

لقمان سليم الخاين العميل المجد لكاتم الصوت حزب الله شرف الأمة طيف العماد مرّ من هنا جاييك دور بلا أسف