مش رايح إتعلّم تاريخ، جاي إكتبو!

هي يافطة رفعها أحد التلامذة الثائرين في بداية التحركات الطلابية. يافطة فرضت قطيعة بين مرحلة تلقي التاريخ ومرحلة صناعته. قد تبدو هذه اليافطة الصغيرة ثورية في طموحها، ولكنها في ثوريتها هذه، التقطت بعض جوانب القطيعة التي أحدثتها ثورة تشرين، قطيعة لم ندرك بعد مدى عمقها.

فماذا يمكن لتاريخنا أن يعلّم أولئك التلاميذ الذين يصنعون مستقبلهم يوميًا على الطرقات؟ ماذا تبقّى من مفاهيم الفكر السياسي اللبناني وأسئلته بعد ثورة تشرين؟

الميثاق الوطني

كيف سيفهم هذا الجيل «الميثاق الوطني»، هذا الاتفاق الذي عُقد بين رجلين يفترض بهما أن يمثّلا طائفتين، والذي وضع أسس التسويات التي ستحكم لبنان لأكثر من نصف قرن؟
في ظل الميثاق الشعبي الذي ينبثق من الثورة، والذي أسقط حتمية التسويات في مجتمعات مقسومة عموديًا، يبدو «الميثاق الوطني» اليوم مجرّد تسوية داخلية، قامت بين نادٍ مغلق من الرجال الذين شكّلوا نخبة هذه البلاد.

المصالحة التاريخيّة

كيف سنفسّر لأولئك التلاميذ فكرة «المصالحة التاريخية»، وهي مصالحة قامت أيضًا بين أركان النادي نفسه، مصالحة جمعت ممثّلين عن كتل بشرية فُرِضت عليهم المصالحة، ولم يتصالحوا معها. في ظل المصالحة العميقة التي أطلقتها الثورة، تبدو «المصالحة التاريخية»، كـ«طاولة الحوار» أو «حكومة الوحدة الوطنية»، مجرّد تسويات بين أبناء النادي الواحد، تسويات لم تؤسس لمجتمع على مدى نصف قرن؟


مفاهيمنا سقطت، ولتلاميذنا كامل الحق بأن يرفضوا أن يتشرّبوا دروس تاريخنا «الرسمي».
مفاهيمنا سقطت، وأيضا أسئلتنا التي تأسّس عملنا السياسي من حولها. فمن ابتزاز الطائفية وإلغائها إلى فكرة الأطراف واللامركزية الإدارية، مروراً بمطلب الزواج المدني الأزلي، تبدو اليوم أسئلتنا قديمة، أقرب إلى استحالات اعتدنا عليها منها إلى أسئلة سياسية حية.

القطيعة لا تعني البدء من عدم، لكنّها تفرض علينا الاعتراف بأن هناك «أشكلة» لكامل قاموسنا تجري اليوم في شوارع لبنان، وهي أشكلة جرت لأنّ مسألة «السلطة» أعيد طرحها على بساط البحث. السلطة هي سؤالنا اليوم، وتاريخنا ومفاهيمنا ستمرّ من خلال كتابة التاريخ الذي يقوم به تلاميذنا.


لكنّ ما سقط ليس القاموس وحسب، بل «السينيكية» التي قد تكون المحرّك الأساس لفكرنا على مدار نصف قرن. السينيكية، أي هذا الإحساس الذي نمّيناه كردة فعل دفاعية لتفادي الإحباط، وتحوّل إلى نمط حياة ميزته الحذر من أي حركة سياسية، وأحيانا، إلى حالة من التعالي خصوصاً في وجه من يصرّ على المحاولة. قد تكون «السينيكية» هي الشعور اللبناني بامتياز، شعور أخذ أشكالاً مختلفة، من «الحربقة» إلى «اللامبالاة»، وصولًا إلى تروّي الحكماء. شعور قطعنا عن أجيال صاعدة وعن ثوّار الجوار.

مع الثورة اللبنانية، كما كتب ياسين الحج صالح، انخفض «مستوى السينيكية اللي كان بصراحة كتير عالي». ربّما كنّا بحاجة لثورتنا لنفهم كيف يمكن أن نستعمل مصطلح «ثورة» في مجتمعاتنا، ومعاني هذا الاستعمال. وإن فهمنا ذلك، يمكننا ربّما أن نفهم لماذا فشلنا في فهم الثورة السورية ولماذا تمسّك البعض بها رغم «سينيكيتنا». ولأن الثورة هي اعتذار أيضاً، لا بد من الاعتذار من رفاقنا السوريّين وتعالينا على ثورتهم.