معالِجتي النفسيّة وجسر الرينغ

مع بداية الثورة، فقدتُ القابلية أو القدرة على التكلّم مع معالجتي النفسية. بدت الجلسات وكأنّها قصاص، وانقطاع عن «جلسات التظاهر» التي كانت أكثر فعالية في معالجة كآبتي المعتادة والموروثة، من جلسات الكلام الأسبوعي. حتى بدأتُ أشعر أن معالجتي النفسية تغار من «الثورة». فصرتُ أخشى التكلّم عما يحدث معي في شوارع بيروت وعنفها الليلي، وكأنّ الثورة سرّ عليّ التستّر عليه كي لا أجرح مشاعرها. بدأ الصمت يسود بيننا، فقرّرتْ هي أن تأخد زمام الأمور وأن تخفف عدد الجلسات، كوني وجدت في هذا الحدث منفذًا لغضب كنت أجهل وجوده.

هذا الغضب الذي رسم على جدران مدننا في بضعة أيام، وبطريقة شبه غرائزية، خريطة طريق للشفاء ولكلّ أسس الصحة

جدرانٌ تشفي، مارتين بجاني وهلا كرباج

ربّما صدق الغرافيتي الذي كُتب على حائط من شوارع بيروت: «فلتسقط الانكزايتي». سقط القلق لبضعة أشهر في شوارع بيروت، وسقط على يد عنف لم يُسقط ربّما «حكم الأزعر»، ولكنّه بالتأكيد، أسقط عددًا من الحكّام الداخليين… فالغضب لم يكن مجرّد ردّة فعل لا سياسية، كما ردّد عاقلو السياسة، بل شكّل، كما كتبت مارتين بجاني وهلا كرباج، ردة الفعل «الطبيعية» والمحقة، لكون الشفاء النفسي الجماعي يرتبط بشكل مباشر وجذري بتحقيق العدالة. وإن لم يحقّق العدالة، فعلى الأقلّ قضى على القلق المسيطر لبضعة ليالٍ على جسر الرينغ أو أمام المصارف…

أحاول أن أستعيد حقّي في الغضب. أحاول أن أصرخ،
لعلّي أسترجع ما سُلب مني

الشارع بين المقاومة والانهزام، دارين أبو سعد

زالت القدرة العلاجية للثورة، واستُبدِلت بانهيار، قضى على كامل مقومات الحياة وحوّل القلق إلى القاسم المشترك لبلد لطالما بحث عن مشترك يبنى من حوله إجماعه. ومع الانهيار، وعدّاداته المختلفة، بدأ يزداد يوميًا دخول عبارات من علم النفس إلى قاموسنا السياسي أو اليومي. نتحدّث عن «قلق»، عن «وسواس قهري»، عن «اضطراب ما بعد الصدمة»… نتحدّث ونتعاطى… فالبلد بأكمله اليوم يتعاطى مادّةً ما، شرعية كانت أم غير شرعية، ليستطيع إنهاء النهار بأقلّ ضرّر ممكن.

إلى متى أستطيع السيطرة على قلقي ومنعه من التحوّل إلى واحد من المهارب الثلاث:
الوسواس القهري، التخدّر الكيميائي، التخدّر الشعوري؟

تناقضات الشخصيّة المتمرِّدة: قلق الجندر ومأزق الرجولة، مازن السيّد

لم يأتِ ذلك نتيجة بروز جيل جديد فحسب، جيل قد يكون أكثر ارتياحاً للتحدُّث عن تلك الأمور مِن جيلنا نحن الذي أتقن «القمع» و«الكبت» كنمط حياة. فهي ليست المرة الأولى التي ينظَر إلينا كمجتمع يعاني من اضطرابات نفسية. ألم تكن الحرب الأهلية مناسبة لقراءة أحوالنا من خلال منظور «الصدمة»، وما نعانيه جماعيًا كحالة «اضطراب ما بعد الصدمة»؟ وهل تعافينا فعليًا من تلك الصدمة قبل أن نتلقى الصدمات التالية؟ لم يستطع جيل واحد منذ الاستقلال أنّ يعيش حياة «طبيعية» من دون انقطاع في مساره، سواء كان ذلك الحرب الأهلية أو الانهيارات المالية في نهاية الثمانيات أو الحروب الإسرائيلية المتعدّدة أو الاغتيالات أو انفجار المرفأ أو… عدد الصدمات التي تلقيناها كمجتمع تفوق ما يُحتمَل، ولا تزول، بل تُتَوارث من جيل إلى جيل.

قلقي ابن ماضٍ رهيب لم يمضِ

هذا ما جناه أبي (والنظام) عليّ، ريم منصور

نعيش حالة من التروما المتناقلة عبر الأجيال (ريم منصورنحاول «التأقلم» مع تلك الصدمات كمن يراكم الأسئلة المعلّقة فوق الجثث (فاطمة فؤاد). فنراكم الصدمات وكأنّها إرث عائلي أو جماعي يلاحقنا، وإن لم نعِش الأحداث الصادمة. فتعود الحرب الأهلية من خلال جملة يقولها الأهل القلقون، أو من ارتدادات انهيار مالي سابق من خلال عادة تكديس الحليب المجفف. وطبعًا هناك الذنب، ذنب ما زال هنا، مع امتيازاته حتى لو باتت متضائلة، ذنب تجاه جيل سابق عانى، ذنب لا يزول إلّا مع صدمة جديدة ستجعلنا نعاني أكثر منه. إنّها مباراة بالمآسي: مَن أكل خرا أكثر؟


بحثتُ مطوَّلًا مع معالجتي النفسية عن «خاصّ» لا تدخله السياسة. لكن غالبًا ما كنت أفشل، وبات كلامي يشبه درس التاريخ، تتمحور فيه الذكريات الخاصة حول أحداث سياسية أو جماعية: اغتيال أو اجتياح أو انتهاء لحرب أهلية… ربّما كان هذا نتيجة لذكورية ما، ترى في التاريخ منفذاً للرجال من هذا الخاص الغريب والمخيف. قد يكون هذا هو السبب، ولكن كيف نبحث عن هذا الخاص عندما باتت السياسةُ في لبنان جزءاً من حياتنا الحميمة (طارق ابي سمرا)، وفرضت علينا أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسانُ على نفسه يوميّاً. لا ينبغي أن يتأقلم أحد مع انفجار وانهيار مالي واغتيال وانحلال عام في أسبوع واحد. لا مكان للعلاقة مع الأمّ أو ذكريات الطفولة كموضع نقاش مع المعالجة النفسية في وضع كهذا.

منذ أن عقدتُ معالجة رهابي من الكلام الحاف، صرتُ
أكثر عرضةً لسقطات اللسان والبكاء الفجائي

الانهيارُ على بُعد حائط، جنان نون

ثمّة تسييس قاتل لهذا الداخل الحميم. بيد أن النزعة لخصخصة أحوالنا النفسية كانت دائمًا موضع شكّ، لكونها تتجاهل الطابع البنيوي لقلقنا الخاص. لا تتجاهل ذلك فحسب، بل تلوم ضحايا النظام من خلال البحث في حميمية مشاعرهم عن سبب قلقهم الاجتماعي. فنجد أنفسنا عالقين بين سياسة نهرب منها إلى خاص ندرك أنّه نتيجة لها، فندور حول أنفسنا، قلقين.


إنّ إنتاج فائض القيمة يتماهى
مع منطق اللذة

أبي طريح فراش الموت: تحليل – نفسيّ نظريّ للطائفيّة، ناديا بو علي

لا مفرّ من تسييس أحوالنا النفسية، ولكن ربّما كان لا مهرب أيضًا من التحليل النفسي للسياسة. فلم نُحكم في هذا البلد جراء القمع والفساد فحسب، أي جرّاء علاقات سلطة فُرضت علينا من حكام سقطوا علينا من الخارج. قام النظام على اقتصاد لذّة، كما انبنى على اقتصاد ريعي، لذة تشاركنا بها، وإن كانت بطرق منحرفة. ألم نكُن مهووسين بسياسيّينا قبل الثورة، لدرجة باتوا معها أقرب إلى نجوم إعلاميّين نتتبع أخبارهم يوميًا؟ ألم ننتقم منهم من بعدها كمن يطرد أبًا قاصرًا فشل بأن يلعب دوره السلطوي؟ هل نعاني جميعا من «دادي ايشوز» لا تزال تبحث عن صورة الأب القاسي الحاني في آن واحد، وتعيد تكرارها (جنان نون)؟ أبوية أو أبوية مهزومة، كما يكتب مازن السيّد، باتت تنتج قلقاً جندرياً، وأزمة رجولة؟ أليس للطائفية مجموعة من اللذّات تتحكّم بنا كأفراد (ناديا بو علي

فالعمل مدين للأثرياء القلقين
لكي يحافظوا على قلقهم

رأس مال قلق، غالية السعداوي

ليس القلق الذي ينتابنا آفةً أو نتيجة أزمة بالضرورة. قد يكون نتيجة طبيعية للتراكم والتوسّع الرأسمالي اللذين ليسا إلّا تشخصين مَرَضيّين مرتبطين بالإفراط، على الرغم من مظهرهما العقلاني (غالية السعداوي). أليس في وضعنا المأزوم و«غير الطبيعي» نافذة ولو مؤلمة لحقائق نطمسها في أيامنا «الطبيعية»، نحتاج إلى طمسها من أجل الاستمرار بحياتنا «الطبيعية»؟ ربّما كان هذا صحيحاً، وربّما بتنا أكثر إدراكًا لماهية حياتنا الاجتماعية. ولكن هل نستطيع تحمُّل كلّ هذا الكمّ من الحقائق؟ هل نستطيع العودة إلى هذا النفاق الدافئ الذي كان يدعى «مجتمعاً»؟

يحلّله النفسانيون على أنّه «اكتئاب». أمّا الاقتصاديّون،
فاصطلحوا على تسميته بـ«الانهيار». لا فرق

ليس للصحراء هنا بدايةٌ ولا نهاية، فاطمة فؤاد

أوليسَ نظامنا، كما يكتب فادي بردويل، نتيجة لهذا التزامن بين الطائفية والرأسمالية، تزامنًا أخذ شكل بارانويا في السياسة، ثقة في الماليّة، نتيجة لهيمنة قامت على فصل السياسي عن الاقتصادي؟ كان ذلك قبل الانهيار الذي لم نكن، رغم كل المؤشرات، جاهزين له، ففضح حالة النكران الجماعي لتبعات النهب الذي كنّا نعيشه.

لم تكن صديقتي المطمئنّة إلّا مواطنة عاديّة في الجمهوريّة
الثانية قبيل دخولها بحالة الاحتضار الطويلة

خوف من البشر واطمئنان للعملة: يوميّات من عالم ما قبل الانهيار، فادي بردويل

بيد أنّ القلق قد يكون إحساس «الامتياز»، إحساس من لديه شيء ليخسره، أو من يواجه معضلة الرحيل، أو من كان لديه مستقبل بات اليوم غامضًا. فالمناظر اليومية لعراك حول أكياس السكر وعلب الحليب المجفّف تشير إلى توزيع غير عادل للمشاعر أيضًا. فهل القلق متاح للجميع؟ أم هل بات القلق، كالذنب، إشارة إلى امتيازات نجعلها أكثر قبولًا من خلال إخفائها وراء مشاعر مزيفة من الذنب، ذنب من يقبض الدولار، قلق من لديه ڤيزا؟


حتى الثورة باتت امتيازاً، أو على الأقلّ، حين نحوّلها إلى مسمّى يراد منه أن يكون جامعًا، فإنّنا نتجاهل امتيازات الثوار. لم يرَ بعضُنا في الثورة إلا صراعاً أحادياً مع النظام، أمّا البعض الآخر، فكان عليه أن يتصدّى، إضافةً إلى العنف المباشر للأجهزة الأمنية، لعنفٍ من نوعٍ آخر، كما تكتب دارين أبو سعد، ذاك العنف الناتج عن التحرّش واستباحة أجسادنا. فإذا كان الانهيار قد فضح النظام، فإنّه فضح الثورة أيضًا حين ظهرت ككتلة غير متجانسة من الامتيازات الجندرية والطبقية. لم تكن الرغبات السلطوية والتأقلم مع اللامساواة هناك في النظام فحسب، بل في صلب الثورة، القلقة اليوم.

ولمَ أصبحت السعادة بعيدة المنال
إلى هذا الحدّ في لبنان؟

عن بابٍ فتحَتْه الانتفاضة ولم ندخله، سمير سكيني

شكّلت «لحظة الثورة» غضبًا دفع بعضنا للخروج من حالاتنا النفسية. لكن بعد كل تجاوز، هناك عودة التأديب الذي جاء على يد الوباء والنظام والانهيار، ولكن أيضًا من خلال التحوّل المؤسّساتي للثورة (تحت وطأة الأمر التأديبي: التنظيم)، بمجموعاتها وممثليها وخطاباتها، والتي أرست حالة من التقشف وحتى الكبت السياسي. فتكبّر الجوّ المعارض، بحسب سمير سكيني، على حقيقة أنّ السياسة مجالها الحياة اليومية، كما تكابروا على الميدان النفسي والاجتماعي وسيكولوجيا الجماهير، معتبرين أنّ السياسة ننتجها عبر لقاءاتٍ موسّعة حول طاولاتٍ مستديرة، أو عبر نقد الاقتصاد فحسب. تكبّروا وعجزنا، كما تكتب فاطمة فؤاد، عن تخيُّل «حقيقة مختلفة» لواقعنا، وفي صنعها.


عدتُ إلى معالجتي النفسية بعدما كنّا قد هجرناها جماعيًا إلى الشوارع. عدتُ مهزومًا كمن حاول أن يتكابر على علاجه، ففشل. وعدتُ إلى هذا الخاصّ الذي كنت أهرب منه، لكن بات له طعم آخر، طعم الطعام الذي تمّ تسخينه عدّة مرّات، ففقدَ أيّ نكهة. فقدَ الخاصُّ تعقيداته ودهاليزه وعقده، وحلّ مكانه فراغ وصمت. كصمت جسر الرينغ، الساعة إثنين صباحًا، ذات ليلةٍ من ليالي تشرين.

كم كان جميلاً جهلُه بمدى
هشاشة ذلك العالم

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان، طارق ابي سمرا
مــــــلــــــف
قلــق السيـاســة

يعاين ملفّ «قلق السياسة» تداخل عالم السياسة بعالم النفس، من خلال عدد من النصوص، ترسم معالم قلق جماعيّ.

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان، طارق ابي سمرا
جدرانٌ تشفي، مارتين بجاني وهلا كرباج
الشارع بين المقاومة والانهزام، دارين أبو سعد
خوف من البشر واطمئنان للعملة: يوميّات من عالم ما قبل الانهيار، فادي بردويل
الانهيارُ على بُعد حائط، جنان نون
هذا ما جناه أبي (والنظام) عليّ، ريم منصور
ليس للصحراء هنا بداية ولا نهاية، فاطمة فؤاد
تناقضات الشخصية المتمرِّدة: قلق الجندر ومأزق الرجولة، مازن السيّد
أبي طريح فراش الموت: تحليل نفسي- نظري للطائفيّة، ناديا بو علي
رأس مال قلق، غالية السعداوي
عن بابٍ فتحتْه الانتفاضة ولم ندخله، سمير سكيني

تم نشر الملف في 10 نيسان 2021.


رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

عن بابٍ فتحَتْه الانتفاضة، ولم ندخله

ثمّ أدركت، تماشياً مع تلك النظرية، ألّا ضرورة لأي شرح؛ نظرة إلى الواقع من حولنا تكفي. إنّما السياسة، بحسب رايخ، الحياة اليومية مجالها. وهنا يصبح الأمر بديهياً: كيف يحرص النظام على إلغاء السياسة لدى الأكثرية؟ بإلغاء حياتهم اليومية