معركة السلطات المحليّة

قبل وصول جائحة الكورونا إلى لبنان، دعت مجموعة «عن حقك دافع» إلى تظاهرة في ساحة جل الديب- أنطلياس، أتيح لي المشاركة في التحضير لها. يومها، رفضنا أن ننسّق مع أي جهة حزبية في المتن الشمالي. إلا أن حزباً له تاريخه في المنطقة، حاول فرض شعاراته، ومن بينها شعار «إنتخابات نيابية مبكرة». بذل منظمو التظاهرة جهداً حثيثاً من أجل منع تحوير هدف التظاهرة المتمثل في المناداة بالعدالة الاجتماعية، ما أزعج مناصري الحزب الذين كادوا يستعيدون سلوكيات ميليشيوية بالية. قالوا لي حرفياً: من أنتم؟، وأضافوا: نحن أبناء المتن، أما أنتم، فدخلاء لا يحق لكم التظاهر. إنكم تشوّهون منطقتنا بشعاراتكم. وتابعوا بالقول: نحن أصحاب القضية منذ ٦٠ سنة.


تستدعي هذه الواقعة التساؤل حول إمكانية العمل السياسي في المناطق حيث تسيطر الأحزاب التقليدية والإقطاع السياسي والعائلي المحلي. فما جرى يجسد بامتياز مأساة نظام بأكمله. وهنا ترتبط المسألة تحديداً بالسلطات المحلية، أي البلديات في لبنان، التي تأخذ الحيز الاصغر في نقاشاتنا السياسية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الكثير من الناس ما زالوا ينحازون إلى انتماءاتهم العائلية وإلى الزعامات الاقطاعية، أي يصوّتون وفقاً لمنطق زبائني وخدماتي، ما يعزز بالإضافة إلى الزبائنية، العنصرية والتمييز.

رغم أن فكرة السلطات المحلية موجودة منذ القرن التاسع، لم يرتقِ العمل البلدي في لبنان إلى المستوى المطلوب، ولم يتم تطوير قانون للانتخابات البلدية يحقق مبدأ تمثيل السكان أو على الأقل مبدأ منح المواطن حق اختيار التصويت حيث مكان السكن. ويشير تاريخ لبنان إلى أن العمل البلدي دفع ثمناً باهظاً للأزمات والصراعات والحروب التي شهدها هذا البلد. وبعد انقطاع طويل سببه الرئيسي الحرب الأهلية، جرت أول انتخابات بعد الحرب في العام 1998 بعد الجهود الكثيفة التي قامت بها حملة «بلدي بلدتي بلديتي».

بيد أن عودة الانتخابات لم تحلّ مشاكل البلديات كسلطات محلية، والتي بقيت تعاني من عدة مشاكل. ومن بينها:

  • الاعتماد على الحكومة المركزية وخضوعها خصوصاً لسلطة وزير الداخلية.
  • الاعتماد على التمويل الخارجي.
  • تركُّز السلطة بيد رئيس البلدية، مما يعزز التفرد والديكتاتورية الداخلية.
  • ضعف مشاركة الناس بعملية أخذ القرار.
  • حصر الاقتراع بحسب سجل النفوس وليس بحسب السكن.هذا ما يعني أنّ التشاركية والتفاعل مفقودان ما بين السكان والسلطات المحلية مما يشكّك بفعالية أي عمل ديموقراطي شعبي تشاركي في المناطق.

نعيش إذاً في بلدات أو مدن غريبة عنا. ننتمي فقط إلى جدران بيوتنا الضيقة. لا حيّز عامّاً متوفّر للتلاقي. لا صوت لنا للتغيير. ومن داخل هذه المساحات الضيقة، نشاهد كيف أن بعض هذه السلطات المحلية بات عديم الإنسانية، تفوح منه رائحة العنصرية والكراهية، ويرفع اليافطات في وجه السكان الأجانب ويضع العراقيل أمام تحركهم. آن الأوان لتصويب خطاب قوى التغيير نحو السلطات المحلية، بدلاً من الكلام الفضفاض عن المناطق. فمعاركنا يجب ألا تكون نقابية وطلابية ونيابية فحسب، بل ايضاً محلية وبلدية. وهي معركة فرضتها السلطة في مدننا وقرانا: عائلات في ما بينها، أبناء المنطقة في مواجهة سكانها، سكان وأبناء في مواجهة الأجانب.

يفرض هذا الواقع على قوى التغيير مقارعة السلطة في كل مكان. وجعل قرانا ومدننا مكاناً آمناً للجميع، حيث يمكن العيش بكرامة ومن دون أي شكل من أشكال التمييز.

التمويل كعمل تشاركيّ

فتمويل القوى المعارضة أو الحملات الإنتخابية ليس عملية منفصلة عن العمل السياسيالاحتكاك المباشر مع الناستكثيف التعاونياتالاتّكال على تمويل جماعيتمويل الدولة للحملات الانتخابيةموعد الانتخابات النيابية والبلدية المقبلة

أقلّ شرًّا

إنّ هلاك العالم هو أن ينتشر العالم، أن تنتشر المساواة، أن يصبح المصير الموحّد موحّداً فعلًا. ألا تعود هناك محاولة فرض الاقتصاد القذرة من قبل الأوليغارشية المالية العالمية