معركةٌ حول الحاكم لا عليه

منذ تشرين الأوّل 2019، يتراكب في لبنان صراعان، يحدث الانهيار الاقتصادي في خلفيّتهما؛ ثورة شعبية ضدّ المصارف والطبقة السياسية، وكباش سياسيّ متعدّد العناوين بين أقطاب الطبقة ذاتها. وما يميّز الطور الأخير، هو تراكب الصراعَيْن، للمرّة الأولى منذ اندلاع الثورة، في بؤرة مركزيّة واحدة: المصرف، بوصفه اختزالاً كثيفاً للأزمة المالية التي تتحمّل مسؤوليّتها المباشرة المصارف الخاصّة وجمعية المصارف، والمصرف المركزي وحاكمه.

وعلى عكس أزمة الناس مع الطبقة السياسية القادرة على المناورة دائماً بحَرف الأنظار عن الأزمات المعيشية بالشقاقات الأهلية، فإنّ العداوة مع المصارف ملموسة ومباشرة. فهي تمنع الوصول للودائع والحسابات الجارية، وتتفنّن في إذلال المودعين وتحديد مصروفهم اليومي والتلاعب بسعر الصرف.

لذا، باتت واجهات المصارف والصرافات الآلية نقاط الجذب الرئيسية للاحتجاجات مع رفع سقف وسائل مواجهتها اللاعنفيّة المدنيّة، إلى حدودها القصوى. وقد دفع ذلك لانتقال الاشتباك بين أعضاء نادي الطبقة السياسية ليتمركز حول شخص حاكم مصرف لبنان وسياساته المالية، بعد طول تهرُّب من تسمية أسباب الأزمة ومقاربتها.


لوهلةٍ، يبدو أنّ ثورة تشرين قد تمكّنت أخيرًا من جلب الطبقة السياسيّة للعراك في ملعبها؛ أي إلى خانة المصارف، إلا أنّ الطبقة السياسية، وبعد محاولات كثيرة لتأطير الأزمات الأهليّة بمواضيع تناحرها على السلطة والهيمنة، دخلت المعركة بلاعبي فريقَيْ 14 و8 آذار ذاتهم، سلطةً ومعارضةً اصطلاحاً، وإن بتشكيلة مُعادٍ توزيعُ بعض مقاعدها ضمن النسق العام ذاته منذ العام 2005.

فعلياً، لا يكشف انتقال العراك السياسي المتجدّد إلى بؤرة الأزمة المالية عن خواء جعبة الفريقَيْن السياسيَّيْن من الحلول أو الخطط فحسب، بل يفضح شكل الصراع الهزليّ بينهما، كنزال غير واقعي، رغم مسبّباته شديدة الواقعية. الأقطاب السياسيّون، من السلطة والمعارضة، يتصارعون أخيراً في حلبة أزمة الناس الحقيقية، من دون أن يخبروهم شيئاً عنها، سوى بتقاذف الاتهامات.

حتى دخول رياض سلامة، على خط الكباش والاصطفاف، لم يزد من الفهم شيئاً، عندما اختار مقاربة تكنوقراطية لشرح أخطر أزمة معيشية يعيشها لبنان، مع بضعة ألعاب كلامية توحي بتصويب سياسي على فريق السلطة.

فعلياً، عندما فتح تيار السلطة المواجهة مع حاكم المصرف، دفعه ذلك للتقارب أكثر مع المعارضة، لكن انقلاباً في المواقع الفعلية لم يحدث حتى الآن.

الإعلان عن كلمة الحاكم قبل يومين من بثّها، أشار بوضوح إلى فتح باب التفاوض، كالعادة. وإذ بدت لهجة سلامة مخفّفة، فإنها حاولت بالقول إنّ «كلّ شيء معلن» الإضاءةَ على الأشياء «المريبة» التي أكثر رئيس الحكومة حسان دياب من التعرّض لها مثل «الغموض المريب في أداء حاكم المصرف»، إذ أنّ مصرفه «إمّا عاجز أو معطّل بقرار، أو محرِّض على هذا التدهور المريب».


الصراع بين دياب وسلامة، وكلاهما قادم من موقع «التكنوقراط»، هو صراع تكنوقراطي بنكهة سياسية، في سعيٍ لتشتيت العمق الاجتماعي- الاقتصادي للأزمة، وتركيز مقولتها السياسية في ما يشبه الأرقام؛ أي 5.9 لا 5.7 مليار دولار، وكأنّها تقول شيئًا!

وبهذا، يتراجع لاعبو الطبقة السياسية عن المشهد قليلاً، ليتقدّمهم التكنوقراط المسؤولون، فلا يقولون الشيء الوحيد المطلوب منهم: ما الأزمة، وما العمل؟

ويبدو تمفصل النزاعَيْن الأهلي والسياسي في بؤرة واحدة، هو اللحظة المناسبة للثورة لتسحب من الطبقة السياسية، عُدّتها السياسية، فتحرمها ممّا يجمعها ويصبغها كطبقة متمايزة. فهذه الطبقة، عدا عن مسؤوليّتها في إيصال الأزمة إلى هذا القعر، فهي غير قادرة على إنتاج أي حل. عجز الطبقة السياسية عن اقتراح الحلول للخروج من الأزمة، هو اللحظة الأنسب لتركيز كلّ الجهد على تثبيت صراع أقطابها في بؤرة المصارف، كعنوان مركزي للصراع رغم ما يدور حوله من إغراءات الاشتباك السياسي وتصفيات الحسابات. تثبيت بؤرة الاشتباك في المصارف هو إعاقة الطبقة السياسية عن إنتاج عناوين فرعية للتشويش تتغذى من طاقة الصراع الأهلي.

حاكم المصرف، بهذا المعنى، هو بؤرة الأزمة، أو مركز تقاطعاتها. حوله تدور المعركة، لا عليه. وبذا، قد تغدو إمكانية إحداث اختلال في مراكز قوى الطبقة المهيمنة، ممكنة، إن تمكّنت الثورة من المناورة.